تربية النحل في سوريا تتراجع.. نصف الخلايا اختفى والمربون يواجهون كلفة الإنتاج والتسويق
لم يعد النحل في سوريا يواجه فقط تقلبات الطقس والأمراض والآفات؛ فالمهنة التي ارتبطت طويلاً بالريف وإنتاج العسل تواجه اقتصاداً أكثر قسوة، ومراعي تتقلص، ومستلزمات ترتفع كلفتها، ودعماً رسمياً لا يبدو متناسباً مع حجم التراجع. وبينما تتحدث وزارة الزراعة عن برامج لتطوير القطاع وتحسين السلالة السورية وتشجيع الاستثمار والتصدير، تكشف الأرقام المتاحة عن انكماش واضح في عدد الخلايا والإنتاج.
وبحسب أحدث إحصائية لوزارة الزراعة لعام 2026، بلغ عدد خلايا النحل نحو 290 ألف خلية، بإنتاج 2427 طناً من العسل، مقارنة بـ532,545 خلية و3518 طناً عام 2024. أي إن عدد الخلايا انخفض بنحو 46% خلال عامين، فيما تراجع إنتاج العسل بنحو 31%.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد تذبذب موسمي، بل تشير إلى قطاع يخسر جزءاً كبيراً من قاعدته الإنتاجية، في وقت لا تزال فيه قدرة المربين على تحمل الخسائر محدودة.
كلفة أعلى ومراعٍ أقل
تقول رئيسة دائرة النحل في وزارة الزراعة إيمان رستم إن المربين يواجهون ارتفاع أسعار مستلزمات التربية وأجور العمالة والخدمة والحماية والنقل، إلى جانب آثار التغير المناخي والاستخدام العشوائي للمبيدات وانتشار مواد مجهولة المصدر في الأسواق.
وتزداد المشكلة مع ضعف القوة الشرائية وصعوبة تصريف المنتجات، فضلاً عن تفاوت الخبرة بين المربين واعتماد بعضهم أساليب تقليدية. لكن هذه التحديات لا تجد دائماً طريقها إلى حلول عملية بالسرعة التي تتطلبها دورة الإنتاج.
ويقول المربي محمد حسين إن إنشاء منحلة صغيرة كان ممكناً سابقاً برأس مال “معقول نسبياً”، بينما أصبحت الخلية الخشبية الجاهزة اليوم تكلف بين 10 و11 ألف ليرة، قبل احتساب الإطارات والشمع والأدوية والتغذية والنقل. ومع تراكم هذه النفقات سنوياً، يتحول الدخول إلى المهنة من مشروع ريفي محدود الكلفة إلى استثمار يحتاج إلى قدرة مالية لا تتوافر لكثير من الأسر.
ويشير المربي أديب ريشة إلى إمكانية البدء بخمس خلايا بلدية والتوسع تدريجياً، لكنه يحذر من أن نجاح المشروع مشروط بالمتابعة المستمرة وتأمين المراعي وحماية الخلايا من السرقة والآفات.
النحل يبحث عن المرعى
لا تكمن أزمة القطاع داخل الخلية وحدها. فالمراعي النحلية نفسها تتراجع، مع انخفاض مساحات بعض المحاصيل الرحيقية مثل القطن وعباد الشمس والذرة، ما يدفع المربين إلى نقل خلاياهم لمسافات أطول بحثاً عن مصادر الرحيق.
ويقول ريشة، الذي يعمل في تربية النحل منذ عام 1992، إن المربين باتوا يتحملون أعباء أكبر في نقل الخلايا وحمايتها، فيما أدت سرقة المناحل خلال السنوات الماضية إلى إبقاء بعض الخلايا في مواقع أكثر أماناً ولو على حساب الإنتاج.
ويضاف إلى ذلك خطر الدبور الأحمر ودودة العت، فضلاً عن النفوق الناتج عن الاستخدام العشوائي للمبيدات. ويشير الخبير الزراعي بسام إبراهيم إلى أن الرش غير المنضبط، ولا سيما في أوقات نشاط النحل، تسبب في خسائر كبيرة لدى المربين.
دعم حكومي واسع على الورق
تطرح وزارة الزراعة حزمة طويلة من الإجراءات، تشمل تطوير مراكز التربية والمخابر، إنتاج الطرود والملكات والخلايا الخشبية وبيعها بأسعار تشجيعية، تنظيم المراعي، إنشاء محميات وغابات رحيقية، تدريب الفنيين، تحسين السلالة السورية وتحديث التشريعات الخاصة بالعسل والمربين.
كما تتحدث الوزارة عن تسهيل حركة الطوائف بين المحافظات وتشجيع الاستثمار والتصدير وتحليل العسل مخبرياً لضبط الجودة.
لكن اتساع قائمة الخطط لا يجيب وحده عن السؤال الأهم: لماذا انخفض عدد الخلايا بهذا الحجم رغم وجود برامج يفترض أن تدعم القطاع؟
ويذهب إبراهيم أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن الإحصائيات الرسمية نفسها تحتاج إلى تدقيق ميداني أكبر، معتبراً أن بعض الأرقام ظلت تتكرر لسنوات من دون تحديث كافٍ يعكس واقع المربين.
ويشير أيضاً إلى تراجع أشكال الدعم التي كانت تشمل الأدوية والسكر بأسعار مخفضة، بالتزامن مع فقدان جزء من الخبرات التي راكمها المربون خلال سنوات طويلة.
العسل موجود.. لكن السوق لا يضمن المنتج
قد تنتج الخلية في الموسم الجيد بين 10 و25 كيلوغراماً من العسل، وفق ريشة، لكن الإنتاج قد يهبط إلى أقل من خمسة كيلوغرامات في المواسم الضعيفة بسبب الجفاف أو الأمراض. ومع ارتفاع تكاليف الرعاية والنقل والتغذية، تصبح قدرة المربي على استرداد رأس المال مرتبطة بدرجة كبيرة بالموسم والسوق.
أما التسويق، فيبقى مشكلة مستقلة. ويشير إبراهيم إلى اعتماد البيع بدرجة كبيرة على الثقة بين المنتج والمستهلك، بينما يظل التحليل المخبري الذي يثبت جودة العسل وطبيعته مرتفع الكلفة وغير متاح بسهولة.
وهكذا يجد قطاع تربية النحل نفسه أمام معادلة صعبة: خلايا أقل، إنتاج متراجع، كلفة أعلى، ومراعٍ أضعف، فيما تأتي الاستجابة الحكومية أساساً على شكل برامج وتشريعات وخطط مستقبلية. وإذا لم تتحول هذه الخطط إلى دعم فعلي للمربي، وضبط للمبيدات، وحماية للمناحل، وتوفير للمراعي ومستلزمات الإنتاج، فإن تراجع أعداد الخلايا لن يبقى مجرد رقم في إحصائية سنوية، بل قد يتحول تدريجياً إلى فقدان لمهنة ريفية ومصدر دخل وإنتاج غذائي يصعب تعويضه.
اقرأ أيضاً: حرائق وجفاف يهددان تربية النحل في سوريا