إنترنت ريف حلب الشرقي معطل منذ سنوات.. شبكة مدمرة وحل لاسلكي مؤجل إلى 2027

لا يحتاج سكان ريف حلب الشرقي إلى مزيد من الوعود التقنية بقدر حاجتهم إلى اتصال يعمل. ففي دير حافر ومسكنة وعاكولة ورسم العبد وكويرس، تحولت خدمة الإنترنت إلى مشكلة يومية تعطل الدراسة والعمل وتدفع الأهالي إلى البحث عن بدائل مكلفة أو الانتقال إلى مناطق أخرى للحصول على إشارة يمكن الاعتماد عليها.

المشكلة، وفق المعطيات الرسمية، لا تتعلق فقط بنقص بوابات الإنترنت، بل بانهيار أجزاء واسعة من البنية التحتية للاتصالات، من مقاسم وشبكات نحاسية وكابلات وتجهيزات، فيما لا توجد حتى الآن مشاريع معتمدة لإعادة بناء الشبكة التقليدية في معظم المناطق المتضررة. وبينما تدرس السورية للاتصالات حلاً لاسلكياً بتقنية “FWA”، قد لا يبدأ تشغيله التجريبي قبل الأشهر الأولى من عام 2027، ما يعني أن سكان المنطقة سيواصلون التعامل مع واقع اتصالات متعثر من دون حل قريب المدى.

شبكة مدمرة واشتراكات معلقة

في دير حافر، يصف ياسر الحمود واقع الإنترنت بأنه ضعيف إلى حد يصبح معه الاتصال شبه معدوم خلال ساعات النهار، ولا يتحسن نسبياً إلا قبيل الفجر، عندما ينخفض الضغط على الشبكة.

ولا تتوقف المشكلة عند بطء التصفح. فالموظفون الذين يعتمدون على الإنترنت في المراسلات وإرسال الملفات وإنجاز التقارير يضطرون إلى تأجيل أعمالهم أو البحث عن أماكن ذات تغطية أفضل، بينما يجد الطلاب أنفسهم أمام عائق إضافي في متابعة التعليم والمواد الإلكترونية.

أما البدائل، فليست متاحة للجميع. فالشبكات اللاسلكية وبيانات الهاتف المحمول تعاني تفاوت التغطية، ولا سيما داخل المنازل، بينما يمثل الإنترنت الفضائي خياراً أكثر كلفة. ويشير الحمود إلى أن اشتراك الإنترنت الفضائي المستخدم في متجره يصل إلى 15 دولاراً شهرياً، وهو مبلغ لا يبدو بسيطاً في منطقة تعاني أصلاً ضعف القدرة على تحمل تكاليف الخدمات.

وتطالب الأسر بتحسين الشبكات الأرضية وزيادة التغطية الخلوية وتأمين مصادر طاقة بديلة للمقاسم والأبراج، لكن هذه المطالب تصطدم بحجم الضرر الذي أصاب البنية الأساسية للاتصالات.

ومن عاكولة، تتحدث سمر القاسم عن طلبات اشتراك معلقة منذ سنوات، بعضها يعود إلى أكثر من خمس سنوات، وسط تفسيرات تتعلق بعدم وجود بوابات “ADSL” جاهزة أو تضرر الكابلات الرئيسية والفرعية ونقص التجهيزات.

وتشير المعطيات التي تنقلها عن الأهالي إلى أن سرقة الكابلات النحاسية والتخريب ونقص المعدات ومستلزمات الطاقة تركت أجزاء من الشبكة خارج الخدمة، ما يجعل معالجة الأعطال الجزئية غير كافية في عدد من المواقع.

الدولة لا تملك شبكة قادرة على تقديم الخدمة

يقر مدير فرع السورية للاتصالات في حلب، المهندس نضال الصالح، بأن المشكلة أوسع من نقص البوابات، موضحاً أن أجزاء واسعة من البنية التحتية خرجت من الخدمة نتيجة الأضرار والسرقات والتخريب، بما في ذلك المقاسم والشبكات النحاسية وكابلات الاتصالات.

ولهذا السبب، لا ترى الشركة أن زيادة بوابات “ADSL” تمثل حلاً في الوقت الحالي؛ إذ لا قيمة لزيادة السعة في مقسم أو شبكة لم تعد تعمل أصلاً. وهذا يضع المشكلة في مستوى أكثر عمقاً: الخلل ليس في قدرة الدولة على بيع اشتراك جديد فحسب، بل في قدرتها على إعادة بناء الشبكة التي يفترض أن يحملها.

وكانت وزارة الاتصالات قد أعلنت في كانون الثاني تسلم مركزي دير حافر ومسكنة والبدء بالكشف والتأهيل بهدف إعادة تشغيلهما، مع الحديث عن مراجعة تغطية الاتصالات الخلوية في المنطقة. لكن استمرار الشكاوى بعد ذلك يكشف أن الانتقال من إعلان إعادة التأهيل إلى استعادة خدمة مستقرة ما يزال بطيئاً ومحدود الأثر بالنسبة إلى السكان.

الألياف تمر بالمنطقة.. والخدمة لا تصل إليها

المفارقة الأكثر وضوحاً أن مشاريع تطوير شبكة النقل لا تعني بالضرورة إعادة الخدمة إلى القرى الواقعة على مسارها.

فبحسب الصالح، فإن مشروع مد كابل الألياف الضوئية باتجاه الرقة والمناطق الشرقية يستهدف تعزيز شبكة النقل الوطنية ورفع موثوقيتها، لكنه لا يتضمن إعادة خدمات الهاتف الثابت والإنترنت إلى المناطق المتضررة الواقعة على مساره.

وهكذا يمكن أن تمر البنية التي تحمل الاتصالات بالقرب من مناطق محرومة منها، من دون أن تتحول تلقائياً إلى خدمة تصل إلى منازل سكانها.

“FWA”.. حل مؤجل لمشكلة عاجلة

في غياب مشروع معتمد لإعادة الشبكة التقليدية، تتجه الشركة إلى دراسة تقنية النفاذ اللاسلكي الثابت “FWA”، التي تسمح بإيصال الإنترنت إلى المشترك عبر جهاز استقبال يتصل بمحطة قاعدية مرتبطة بالشبكة.

وتبدو التقنية مناسبة للمناطق التي يصعب فيها إعادة مد الكابلات، كما يمكن أن تختصر أعمال الحفر والتمديد مقارنة بإعادة بناء شبكة نحاسية أو ضوئية كاملة. لكن المشكلة تكمن في التوقيت: المشروع لا يزال في مرحلة الدراسة والإعداد الفني والاستثماري، وقد يبدأ بصورة تجريبية خلال الأشهر الأولى من 2027 إذا استُكملت الإجراءات واعتمد التنفيذ.

أما السعات والتغطية والأسعار، فما تزال غير محسومة، وستحدد وفق نتائج الدراسات واحتياجات التجمعات السكانية والأنشطة الاقتصادية.

وبذلك يبقى سكان ريف حلب الشرقي أمام معادلة قاسية: شبكة تقليدية مدمرة، وبدائل مكلفة، ومشروع لاسلكي لم يغادر بعد مرحلة التخطيط. وبينما تتقدم الاتصالات في مناطق أخرى نحو الألياف والجيل الخامس، ما يزال سكان دير حافر ومسكنة والقرى المحيطة ينتظرون استعادة خدمة أساسية أصبحت جزءاً من التعليم والعمل والتجارة، لا رفاهية يمكن تأجيلها عاماً آخر.

المشكلة هنا ليست في غياب التقنية، بل في بطء تحويلها إلى خدمة فعلية. فالخطط والمشاريع والدراسات لا تعيد الإنترنت إلى منزل واحد ما لم تتحول إلى مقاسم عاملة ومحطات قائمة وشبكات تصل فعلياً إلى الناس. وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي خطة لإعادة تأهيل الاتصالات في ريف حلب الشرقي.

 

اقرأ ايضاً: منذ أكثر من شهرين.. الاتصالات الخلوية مقطوعة في شمال شرق سوريا وسط تجاهل رسمي

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.