الفرات يرتفع مجدداً في سوريا.. تدفقات مائية كبيرة يعيد مخاوف الفيضانات
تتعامل السلطات السورية مع ارتفاع جديد في منسوب نهر الفرات، بالتزامن مع تدفق كميات مائية كبيرة من الجانب التركي تجاوزت 1200 متر مكعب في الثانية لنحو عشرة أيام متواصلة، وسط توقعات باستمرار الواردات المرتفعة حتى نهاية آب/أغسطس الحالي.
ودفعت الزيادة مؤسسة سد الفرات إلى رفع كميات المياه الممررة تدريجياً، مع الإبقاء على جزء من الطاقة التخزينية للسدود تحسباً لاستمرار التدفقات أو ارتفاعها، بينما أصدرت وزارة الطاقة تحذيرات لسكان الرقة ودير الزور والمزارعين وأصحاب المنشآت القريبة من النهر.
ويأتي ذلك بعد موجة فيضانات شهدتها مناطق من الرقة ودير الزور خلال الربيع وبداية الصيف، وغمرت مساحات زراعية وألحقت أضراراً بممتلكات ومنشآت قريبة من مجرى الفرات، ما يجعل التعامل مع الارتفاع الحالي أكثر حساسية.
تدفقات تتجاوز 1200 متر مكعب في الثانية
بحسب المعطيات المتاحة، تجاوزت المياه الواردة من الجانب التركي عبر نهر الفرات 1200 متر مكعب في الثانية بصورة متواصلة لنحو عشرة أيام، مع توقع استمرار مستويات التدفق المرتفعة حتى نهاية آب/أغسطس.
وفي تصريحات لوسائل إعلام محلية، توقع مسؤولون سوريون أن تصل الواردات إلى نحو 1300 متر مكعب في الثانية.
ويقول المهندس وفيق الحسن، المتابع لملف الفرات، إن المعطيات الحالية لا تشير إلى بلوغ مستوى الفيضان السابق، كما أن السدود السورية لا تزال قادرة على استيعاب كميات إضافية من المياه.
لكن الحسن يرى أن مصدر القلق الرئيسي لا يرتبط بحجم التدفق الحالي وحده، وإنما باحتمال استمرار الواردات المرتفعة لفترة طويلة. ويشير إلى أن وصول التدفقات إلى أكثر من 1200 متر مكعب في الثانية لعدة أيام متتالية يجعل إدارة مخزون البحيرات والحفاظ على سعة احتياطية في السدود أمراً أساسياً.
وبحسب الحسن، فإن رفع التصريف تدريجياً يسمح بإدارة المخزون المائي والحفاظ على هامش أمان تشغيلي، بدلاً من تراكم كميات كبيرة داخل البحيرات مع انخفاض القدرة الاحتياطية على استيعاب أي زيادة لاحقة.
رفع التصريف من سد كديران
باشرت المؤسسة العامة لسد الفرات، السبت الماضي، زيادة كميات المياه الممررة من سد كديران تدريجياً من 600 إلى 800 متر مكعب في الثانية، استناداً إلى المعطيات المائية والتشغيلية ومراقبة مناسيب المياه على امتداد مجرى النهر.
كما فُتحت إحدى بوابات المفيض جزئياً لتمرير كمية إضافية تقدر بنحو 100 متر مكعب في الثانية.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن سياسة الرفع التدريجي للتصريف، بدلاً من زيادة مفاجئة في كميات المياه التي تمر عبر مجرى الفرات.
والهدف الأساسي من خفض منسوب البحيرات هو الحفاظ على سعة تخزينية احتياطية داخل السدود، بما يسمح بالتعامل مع استمرار التدفقات المرتفعة أو حدوث زيادة جديدة فيها.
ووفق المعطيات الواردة، لا تزال بحيرة سد الفرات قادرة على استقبال كميات إضافية من المياه، ما يمنح المؤسسة هامشاً للتعامل مع الوضع الحالي عبر التمرير التدريجي.
ولا تشير المعطيات الحالية إلى حاجة لفتح واسع لبوابات سد الفرات، فيما يُنظر إلى رفع التصريف من 600 إلى 800 متر مكعب في الثانية باعتباره إجراءً محدوداً وقابلاً للتحكم، مع إمكانية زيادته إذا تغيرت مستويات الواردات أو المناسيب.
ارتفاع المنسوب يضغط على منشآت دير الزور
انعكست زيادة التصريف على منسوب الفرات في محافظة دير الزور، إذ أفادت مديرية الموارد المائية بارتفاعه بنحو 70 سنتيمتراً.
كما أشارت تقديرات محلية إلى احتمال تسجيل ارتفاع إضافي بنحو 30 سنتيمتراً خلال الساعات الأربع والعشرين التالية.
وتثير هذه الزيادة مخاوف خاصة في دير الزور بسبب اعتماد السكان على منشآت عبور مؤقتة، بينها الجسور الترابية والعبارات، للتنقل بين ضفتي النهر.
وكان ارتفاع منسوب الفرات قد أدى في وقت سابق إلى تعليق حركة المرور على أحد الجسور الترابية في المحافظة كإجراء احترازي، ما يعكس مدى تأثر هذه المنشآت بأي ارتفاع إضافي في المياه أو تسارع في حركة الجريان.
وحذر الحسن أيضاً من أن ارتفاع المنسوب يمكن أن يؤثر في الجسور والمنشآت المؤقتة المقامة على النهر، وهي بنية تكتسب أهمية خاصة في دير الزور نظراً لاعتماد السكان عليها في تنقلاتهم.
ورجح استمرار التمرير عند حدود 800 متر مكعب في الثانية خلال المرحلة الحالية، مع إمكانية زيادة التصريف إذا طرأت تغيرات على الواردات المائية.
وأشار إلى تدعيم بعض المنشآت الترابية في دير الزور، بالتوازي مع التحذيرات الموجهة إلى السكان والمزارعين وأصحاب المعدات والمنشآت القريبة من مجرى الفرات.
تحذيرات من الاقتراب من النهر
مع استمرار ارتفاع التدفقات، وجهت وزارة الطاقة تحذيرات إلى سكان محافظتي الرقة ودير الزور، ولا سيما الموجودين بالقرب من مجرى الفرات، داعية إلى الابتعاد عن النهر وضفافه وعدم السباحة فيه، نظراً لاحتمال ارتفاع المناسيب وزيادة سرعة الجريان.
وشملت الإجراءات الوقائية أيضاً دعوة المزارعين وأصحاب المسامك والمنشآت الواقعة قرب النهر إلى نقل المحركات والمعدات والآليات إلى أماكن أكثر أماناً، واتخاذ التدابير اللازمة لحماية المضخات والممتلكات.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية في المناطق التي تنتشر فيها الأراضي الزراعية والمنشآت بمحاذاة مجرى النهر، إذ قد يؤدي ارتفاع المياه إلى أضرار لا تطاول السكان فقط، وإنما تمتد إلى المعدات الزراعية والبنية التحتية والمنشآت المؤقتة.
ووصف الحسن الوضع الحالي بأنه ارتفاع مائي يخضع للمراقبة والسيطرة التشغيلية، لكنه يحمل مخاطر تستوجب الحذر، خصوصاً مع استمرار التدفقات المرتفعة القادمة من الجانب التركي.
تجربة الفيضانات السابقة ترفع مستوى الحذر
يأتي الارتفاع الحالي بعد موجة فيضانات قوية ضربت مناطق شمالي وشرقي سوريا خلال الربيع وبداية الصيف، ووُصفت بأنها من أسوأ موجات الفيضان التي شهدتها المنطقة خلال عقود.
وتسببت تلك الموجة في غمر مساحات من الأراضي الزراعية في الرقة ودير الزور، إلى جانب تسجيل أضرار في مناطق ومنشآت قريبة من مجرى الفرات.
وارتبطت الأزمة آنذاك بارتفاع مستويات المياه في السدود التركية على النهر، ولا سيما سد أتاتورك، الذي اقترب مخزونه من مستويات مرتفعة جداً، ما دفع السلطات التركية إلى فتح بوابات تصريف للمساعدة في إدارة المخزون المائي.
كما أظهرت المعطيات فتح بوابات في سدود تركية أخرى على مجرى الفرات قبل دخول النهر الأراضي السورية.
ومع وصول كميات كبيرة من المياه إلى الجانب السوري، اضطرت المؤسسة العامة لسد الفرات إلى استخدام بوابات المفيض للتعامل مع التدفقات، في خطوة أشارت المعطيات إلى أنها لم تحدث منذ سنوات طويلة.
وأدت تلك التدفقات إلى غمر أراضٍ زراعية في الرقة ودير الزور وإلحاق أضرار بمناطق ملاصقة للنهر، ما جعل السلطات أكثر حذراً في التعامل مع الارتفاع الحالي.
استمرار التدفقات هو الاختبار الأهم
ولا تكمن حساسية الوضع الحالي في ارتفاع منسوب الفرات بحد ذاته، بقدر ما ترتبط بمدة استمرار التدفقات المرتفعة القادمة من تركيا.
فكلما استمرت الواردات بمستويات عالية، تقلصت تدريجياً السعة الاحتياطية المتاحة في السدود، ما قد يزيد الحاجة إلى رفع كميات التصريف إذا واصلت التدفقات ارتفاعها.
ولهذا تركز الإجراءات الحالية على تحقيق توازن بين تمرير المياه الواردة والحفاظ على مخزون السدود، مع مراقبة مستمرة لمناسيب النهر والبحيرات.
وبحسب المعطيات الحالية، لا يزال الوضع تحت السيطرة التشغيلية، ولا تشير المؤشرات المتاحة إلى عودة الفرات إلى مستوى الفيضان السابق. إلا أن استمرار التدفقات المرتفعة، أو وصولها إلى مستويات أعلى من المتوقع، قد يفرض إجراءات إضافية، خصوصاً في المناطق المنخفضة والقريبة من مجرى النهر والمنشآت المؤقتة.
اقرأ أيضاً:فيضانات الفرات تبدد مواسم مربي الأسماك… والثروة السمكية تنتظر إنقاذاً مؤجلاً
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز