استثمارات سوريا بعد عام.. مشاريع بدأت وأخرى عالقة
بعد عام على إعلان الحكومة السورية توقيع 12 مذكرة تفاهم استثمارية بقيمة إجمالية بلغت 14 مليار دولار، لا يزال جزء كبير من المشاريع المعلنة في مراحل متفاوتة بين التنفيذ والدراسات والتجهيز، فيما لم يتحول بعضها إلى مشاريع فعلية حتى آب/أغسطس 2026.
ووقّعت الحكومة هذه المذكرات في قصر الشعب في 6 آب/أغسطس 2025، بحضور الرئيس أحمد الشرع والمبعوث الأميركي توم باراك، وشملت قطاعات النقل والسكن والسياحة والتطوير العقاري والطاقة والبنية التحتية في عدد من المحافظات. وجاءت ضمن موجة اتفاقيات استثمارية قُدّرت قيمتها خلال عام 2025 بنحو 28 مليار دولار.
لكن الرقم المعلن لا يعكس بالضرورة حجم الأموال التي دخلت الاقتصاد السوري فعلياً، إذ كانت الاتفاقيات الموقعة في معظمها مذكرات تفاهم تمثل إطاراً أولياً للتعاون، وتحتاج إلى دراسات وعقود نهائية وتمويل وتراخيص قبل الانتقال إلى التنفيذ.
مشاريع تجاوزت مرحلة المذكرات وأخرى ما تزال قيد الدراسة
يقول الخبير الاقتصادي نضال الحسن، إن متابعة البيانات الرسمية والمعلومات المتاحة تظهر تفاوتاً واضحاً في مصير المذكرات الـ12، ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة مسارات: مشاريع انتقلت إلى اتفاقيات تنفيذية وبدأ العمل فيها، وأخرى وصلت إلى مراحل التخطيط والدراسات الفنية، وثالثة بقيت بطيئة أو مجمدة دون انتقال واضح إلى التنفيذ.
ويبرز مشروع توسعة مطار دمشق الدولي بوصفه أكثر مشاريع الحزمة تقدماً، وفق الحسن. فقد تحولت مذكرة التفاهم الخاصة به إلى اتفاقية رسمية في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بقيمة 4 مليارات دولار، وبدأت الأعمال المتعلقة ببناء الصالة الثانية وإعادة تأهيل الصالة الأولى، بهدف رفع الطاقة الاستيعابية للمطار إلى 6 ملايين مسافر بنهاية 2026.
كما شهد مشروع الحيدرية في حلب أعمالاً تحضيرية، ويتضمن بناء 608 وحدات سكنية موزعة على 19 مبنى. وبدأ أيضاً مشروع بوليفارد حمص بقيمة 900 مليون دولار، في حين أُلغي مشروع إعادة إعمار القرابيص بعد اعتراض السكان.
وفي قطاع الطاقة والغاز، انتقلت بعض الاتفاقات إلى مراحل الدراسات والتجهيزات الميدانية. كما تحولت اتفاقية إنشاء 8 محطات كهرباء بقدرة إجمالية تبلغ 5000 ميغاواط وقيمة 7 مليارات دولار إلى اتفاق ملزم مع تحالف تقوده “أورباكون”.
في المقابل، لا يزال مشروع مترو دمشق، الذي تبلغ قيمته المعلنة ملياري دولار، في مرحلة الدراسات والتصاميم. ويتضمن المشروع خطاً أخضر بطول 16.5 كيلومتراً و17 محطة، بتكلفة تقديرية تقارب 1.3 مليار دولار، على أن يستغرق التنفيذ بين 5 و7 سنوات.
أما مشروع “أبراج دمشق” بقيمة ملياري دولار، فلم يبدأ تنفيذه حتى آب/أغسطس 2026، رغم اعتماد مخططاته الأولية. ولا تتوفر معلومات رسمية عن بدء تنفيذ أبراج البرامكة، البالغة قيمتها 500 مليون دولار، أو مول البرامكة بقيمة 60 مليون دولار، فيما تشير المعطيات إلى تجهيز بعض المواقع واعتماد مخططات أولية بانتظار استكمال التراخيص ورخص البناء.
مشاريع لم تتجاوز الإطار المعلن
بحسب الحسن، بقيت مشاريع الاتصالات والمناطق الحرة والتطوير اللوجستي ضمن قائمة المشاريع التي لم تحقق تقدماً تنفيذياً واضحاً، إذ لم تعلن هيئة الاستثمار حتى الآن عن توقيع عقود تشغيلية نهائية أو جداول زمنية محددة لتنفيذ معظمها.
ويربط الحسن ذلك باستمرار تقييم المخاطر وتذبذب تكاليف التمويل، إلى جانب حذر المستثمرين في ضخ رأس المال.
وينطبق الأمر أيضاً على عدد من المشاريع العقارية والسياحية. فمشروع وادي الجوز في حماة، بقيمة 282 مليون دولار، أُعلن عنه كضاحية سكنية وتجارية حديثة، لكن لا توجد تفاصيل علنية عن بدء التنفيذ الفعلي حتى آب/أغسطس 2026.
كما لا تتوفر تحديثات تنفيذية موثقة بشأن مول المهندسين في حلب بقيمة 25 مليون دولار، أو مشروع مرسى شمس، وهو فندق ومنتجع في اللاذقية بقيمة 150 مليون دولار، أو مجمع مارينا السياحي في طرطوس، أو فندق داما سراي في دير الزور بقيمة 400 مليون دولار.
وفي إدلب، لم تتحول مذكرة “إعادة التدوير والاستدامة” التي كانت ضمن الحزمة الأصلية إلى مشروع منفذ. وبدلاً منها، وقّعت الحكومة في أيار/مايو 2026 مذكرة تفاهم منفصلة مع شركة “بوماكو” التركية لإنشاء منطقة حرة في المحافظة وفق نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، ما يشير إلى انتقال المسار الاستثماري في هذا الملف إلى ترتيب جديد، وليس اكتمال المشروع الذي أُعلن عنه في آب/أغسطس 2025.
مراجعة عقود الدولة تفتح سؤال الرقابة
يتزامن ذلك مع إطلاق سوريا، في 2 آب/أغسطس 2026، حملة لمراجعة وتدقيق عقود واستثمارات أملاك الدولة، بعد رصد عقود بشروط اعتُبرت مجحفة، إلى جانب استيلاءات على عقارات حكومية خلال عهد النظام السابق.
وتشمل المراجعة عقود الإيجار والاستثمار والانتفاع، مع منح أصحاب العلاقة مهلة للإفصاح حتى نهاية آب/أغسطس.
ويطرح هذا التدقيق، بالتزامن مع مرور عام على مذكرات الاستثمار الكبرى، تساؤلات حول آليات الرقابة على المستثمرين الجدد، ولا سيما في ظل الحديث عن شكوك تتعلق بالملاءة المالية لبعض الشركات.
لماذا تأخرت بعض المشاريع؟
يرى الحسن أن جزءاً من التأخير يرتبط بطبيعة مذكرات التفاهم نفسها، فهي تمثل الإطار القانوني الأول للتعاون ولا تكون ملزمة بالضرورة على غرار العقود الاستثمارية النهائية. ويتطلب الانتقال منها إلى التنفيذ استكمال الدراسات الفنية والمالية، وتحديد آليات التمويل وإصدار التراخيص وتوقيع العقود النهائية.
ويحدد الحسن عدة عوامل تؤثر في سرعة التنفيذ، أبرزها تأمين التمويل وتحويل الالتزامات المعلنة إلى تدفقات مالية فعلية، إلى جانب استكمال البيئة القانونية المتعلقة بالاستثمار والتحكيم التجاري الدولي والتحويلات المصرفية.
كما يمثل الوضع الأمني عاملاً مؤثراً في بعض المناطق، بينما تحتاج المشاريع ذات الطبيعة المعقدة، مثل مترو دمشق، إلى سنوات من الدراسات والتصاميم قبل بدء الأعمال الإنشائية.
ويحذر الحسن من اعتبار كل تأخير دليلاً على فشل استثماري، موضحاً أن المشاريع الكبرى تمر عادة بمراحل تتعلق بدراسة الجدوى الاقتصادية وتحديد الأراضي والملكية وإعداد نماذج التمويل وإصدار التراخيص، فضلاً عن إمكانية تغير أولويات الحكومة والمحافظات.
لكن، وفق قراءته، تتحول المشكلة إلى موضع قلق عندما تبقى مذكرة التفاهم من دون جدول زمني واضح أو مسار معلن للانتقال إلى التنفيذ.
14 مليار دولار.. التزامات معلنة أم أموال مستثمرة؟
تلفت الباحثة الاقتصادية لينا خضور، إلى ضرورة الفصل بين قيمة الاستثمارات التي أُعلن عنها وبين الأموال التي دخلت سوريا فعلياً.
وتوضح أن مبلغ 14 مليار دولار كان يمثل قيمة استثمارات مستهدفة ضمن مذكرات تفاهم، وليس أموالاً أودعت مباشرة في المصرف المركزي أو مشروعات كانت قيد الإنشاء عند توقيعها. كما أن المذكرات احتاجت إلى دراسات وعقود لاحقة قبل أن تتحول إلى استثمارات فعلية.
وبالتالي، فإن تقييم نتائج الحزمة الاستثمارية لا يمكن أن يعتمد على الرقم الإجمالي المعلن وحده، لأن قيمة المذكرات تشمل “الوعود” الاستثمارية الموقعة، وليس بالضرورة حجم رأس المال الذي ضُخ فعلياً في الاقتصاد السوري.
وترى خضور أن هناك فجوة بين حجم الإعلانات الاستثمارية والطبيعة الفعلية للتنفيذ، مشيرة إلى أن المشاريع التي ظهر أثرها بصورة أوضح خلال العام الأول تركزت في قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الطيران والنقل الجوي والطاقة، باعتبارها قطاعات ترتبط مباشرة بعملية التعافي الاقتصادي.
مؤشرات جديدة رغم بطء التنفيذ
ورغم محدودية المشاريع التي وصلت إلى التنفيذ الكامل، تشير خضور إلى وجود مؤشرات على استمرار النشاط الاستثماري.
ومن أبرز هذه المؤشرات الانتقال بمشروع مطار دمشق الدولي من مرحلة مذكرة التفاهم إلى العقود النهائية والتنفيذ، إضافة إلى استمرار اهتمام المستثمرين الخليجيين. ففي آب/أغسطس 2026، وقّعت الشركة السورية للكهرباء اتفاقيات مع شركة سعودية لإنشاء محطات طاقة شمسية بقدرة 760 ميغاواط.
كما صدر في 5 آب/أغسطس 2026 المرسوم رقم 162 المتعلق بهيئة الاستثمار السورية، وهو إجراء قد يسهم، بحسب خضور، في تسهيل إجراءات التراخيص والتنفيذ.
وتخلص خضور إلى أن الصورة بعد عام لا تعكس توقف المبادرة الاستثمارية، لكنها تكشف تفاوتاً كبيراً بين الإعلان والتنفيذ. فمشروع مطار دمشق الدولي انتقل إلى مرحلة العقود والتنفيذ الفعلي، بينما دخلت مشاريع أخرى، بينها الغاز وبعض مشاريع الطاقة، مراحل أكثر تقدماً، في حين بقي مترو دمشق والمشاريع العقارية الكبرى وعدد من التفاهمات الأخرى في مراحل الدراسات أو الإجراءات أو من دون تحديثات تنفيذية موثقة.
وبذلك، فإن اختبار الحزمة الاستثمارية المعلنة بقيمة 14 مليار دولار لا يتعلق بعدد مذكرات التفاهم التي وُقعت، بل بقدرة هذه المذكرات على التحول إلى استثمارات ممولة ومشاريع قائمة، وهو ما يجعل العقود النهائية والتمويل والجداول الزمنية والشفافية في التنفيذ المؤشرات الأهم لقياس ما تحقق فعلياً خلال العام الأول.
اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز