عودة السوريين تغيّر معادلة الحوالات المالية: من يعوّض دخل الأسر؟

لم تعد الحوالات المالية التي يرسلها السوريون المقيمون في ألمانيا وتركيا ودول الخليج إلى أسرهم داخل سوريا مجرد دعم مالي إضافي، بل أصبحت بالنسبة إلى كثير من العائلات مصدراً رئيسياً للدخل، تعتمد عليه في تأمين الإيجار والطعام والدواء وفواتير الخدمات، وحتى تمويل أعمال ترميم المنازل التي تضررت خلال سنوات الحرب.

لكن عودة أعداد من السوريين المقيمين في الخارج إلى البلاد بدأت تفرض واقعاً اقتصادياً مختلفاً على الأسر التي اعتادت لسنوات تلقي هذه الأموال. فمع عودة الشخص الذي كان يعمل ويرسل جزءاً من دخله إلى عائلته، تتوقف الحوالة أو تتراجع قيمتها، بينما يصبح العائد نفسه بحاجة إلى مصدر دخل محلي لتأمين احتياجاته واحتياجات أسرته.

وبحسب تقديرات أوردها البنك الدولي استناداً إلى بيانات مسح أُجري عام 2022، كانت الحوالات تصل إلى 37% من الأسر السورية، بمتوسط يقارب 57 دولاراً شهرياً، وكانت تشكل أكثر من ثلث إجمالي دخل الأسر المستفيدة منها.

عندما تحولت الحوالة إلى مصدر الدخل الأساسي

خلال سنوات الأزمة الاقتصادية والحرب، أعادت عائلات سورية كثيرة ترتيب ميزانيتها حول الأموال التي يرسلها أحد أفرادها من الخارج. وفي بعض الحالات، لم يكن لدى الأسرة أي دخل محلي منتظم، لكن انتظام الحوالة كان يوفر لها قدراً من الاستقرار المالي.

وكان وصول المبلغ الشهري يعني بالنسبة إلى الأسرة القدرة على دفع الإيجار وشراء الطعام والأدوية وتسديد الأقساط، فيما تكفل بعض المرسلين أيضاً بنفقات إضافية، مثل ترميم منزل العائلة أو شراء الأجهزة والاحتياجات الأساسية.

وتقول نور عبد الله لموقع تلفزيون سوريا: “لم نكن نعتبر المبلغ الذي يرسله أخي مصروفاً إضافياً، كان هو راتب البيت، وعندما يرسل الحوالة كنا نعرف أن الإيجار ومصاريف الأكل والأدوية مؤمنة، لم يكن لدينا راتب آخر نعتمد عليه”.

وتعكس هذه الشهادة جانباً من التحول الذي طرأ على وظيفة الحوالات داخل بعض الأسر، إذ انتقلت من كونها مساعدة مالية إلى مصدر دخل يؤدي عملياً دور الراتب الشهري.

عودة المرسل تعيد توزيع الأعباء

مع عودة الشخص الذي كان يعمل في الخارج، تتغير المعادلة داخل الأسرة. ففي فترة وجوده خارج البلاد، كان يتحمل نفقات معيشته في بلد الإقامة ويخصص جزءاً من دخله لإرسال الأموال إلى أسرته في سوريا.

أما بعد العودة، فتتسع دائرة التزاماته المالية لتشمل السكن والطعام والمواصلات ومصاريف أسرته، إضافة إلى ما يستطيع تقديمه لأهله، بينما قد يجد نفسه مضطراً للبحث عن عمل جديد داخل البلاد.

ويقول إبراهيم خليفة، وهو سوري عاد من ألمانيا، لموقع تلفزيون سوريا: “كنت أرسل إلى عائلتي في سوريا مبلغاً شهرياً، لكني لم أحصل على الجنسية وقررت العودة إلى سوريا، واضطررت للبحث عن عمل، وبدأت بإنفاق كل ما أملك لكي أعيل أولادي، فاضطررت أن أخفض المبلغ الذي كنت أرسله لأهلي”.

ولا يرتبط تأثير العودة بتوقف الحوالة وحده، بل بمدى قدرة العائد على تأمين دخل بديل. وأظهر مسح أجرته مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين خلال الربع الأول من عام 2026 أن 30% من المشاركين في سن العمل قالوا إنهم بلا عمل، بينما ظل الوصول إلى الوظائف الرسمية محدوداً عند نحو 6 إلى 7%.

انخفاض الحوالات ينعكس على تفاصيل المعيشة

عندما تتراجع الأموال القادمة من الخارج، تبدأ الأسر غالباً بإعادة ترتيب نفقاتها وفق الدخل المتاح. وتظهر هذه التغييرات في المشتريات اليومية، من تقليل كميات بعض المواد الغذائية إلى استبدال منتجات بأخرى أقل سعراً أو تأجيل نفقات غير أساسية.

وتقول سلوى محمد لموقع تلفزيون سوريا إن أسرتها اضطرت إلى تغيير طريقة شراء المواد الغذائية بعد توقف حوالة ابنها إثر عودته من تركيا.

وتوضح أن ارتفاع أسعار بعض المواد جعل شراءها أكثر صعوبة، ما دفع الأسرة إلى الاستغناء عنها أو اختيار بدائل أقل كلفة. وبحسب وصفها، لا يظهر أثر هذا التغيير بالضرورة في عملية شراء واحدة، وإنما يتراكم مع مرور أيام الشهر.

وتجد الأسر ذات الدخل المحدود نفسها أمام بنود يصعب تخفيضها، مثل الإيجار والأدوية وبعض الالتزامات الثابتة، مقابل نفقات أخرى يمكن التحكم فيها، وفي مقدمتها الإنفاق على الطعام والاحتياجات اليومية.

المرضى وكبار السن أمام ضغوط إضافية

تزداد حساسية فقدان الحوالة لدى الأسر التي تضم مرضى أو أشخاصاً كباراً في السن، خصوصاً عندما كان جزء من الأموال القادمة من الخارج مخصصاً بصورة منتظمة للأدوية والفحوصات الطبية.

فوجود فرد يعمل في الخارج كان يمنح بعض هذه الأسر قدرة أكبر على تحمل نفقات العلاج، التي قد تكون مرتفعة مقارنة بالدخل المحلي. ومع عودته، قد تضطر الأسرة إلى تقليص الإنفاق أو البحث عن بدائل علاجية أقل كلفة.

ويقول سليم حسن، وهو سوري في السبعينيات من عمره، لموقع تلفزيون سوريا: “كانت ابنتي ترسل شهرياً مبلغاً يساعدنا في تدبير أمورنا، ولكن بعد اضطرارها للعودة إلى سوريا مع عائلتها، أصبحت بالكاد تستطيع هي وزوجها تأمين مستلزمات حياتهم وأطفالهم. اليوم من الصعب أن أؤمن جميع أدويتي أنا وزوجتي، نحاول استبدالها بأنواع أقل سعراً لكي نستطيع الصمود في وجه غلاء الأسعار”.

عودة العائل لا تعني تلقائياً تحسن الوضع المالي

قد تبدو عودة أحد أفراد الأسرة الذي كان يعمل في الخارج فرصة لزيادة عدد الأشخاص القادرين على العمل، لكن ذلك لا يؤدي بالضرورة إلى تعويض الدخل المفقود فوراً.

فالعائد قد يحتاج إلى فترة للعثور على وظيفة مناسبة، أو قد يضطر إلى قبول عمل بدخل أقل من دخله السابق في الخارج. كما أن الخبرة التي اكتسبها خلال عمله خارج البلاد قد لا تتطابق دائماً مع احتياجات سوق العمل المحلي والفرص المتاحة فيه.

وهنا تظهر مفارقة اقتصادية تواجهها بعض الأسر: الشخص الذي كان لسنوات أحد مصادر دخلها الرئيسية عاد إليها، لكنه يحتاج بدوره إلى إعادة بناء مصدر دخله وتأمين احتياجات أسرته.

ما بعد الحوالة: البحث عن دخل مستقر

لا تعني عودة السوريين إلى البلاد توقف الحوالات بشكل كامل، إذ لا تزال أسر عديدة تتلقى أموالاً من أبناء وأقارب يقيمون في الخارج. لكن عودة الشخص الذي كان يمثل المصدر الأساسي للحوالة تكشف تحدياً آخر يتعلق بانتقال الأسرة من الاعتماد على دخل يأتي من الخارج إلى الاعتماد على فرص العمل والدخل المتاحين داخل سوريا.

ويرتبط استقرار العائدين بدوره بقدرتهم على العثور على وظائف وتحويل خبراتهم السابقة إلى مصادر دخل منتظمة، بما يسمح لهم بتأمين احتياجات أسرهم والاستمرار، إن أمكن، في مساعدة أقاربهم.

وبالنسبة إلى عائلات اعتمدت لسنوات على حوالة شهرية، فإن عودة الابن أو الابنة قد تنهي سنوات من الغياب، لكنها تفتح في الوقت نفسه مرحلة اقتصادية مختلفة. فالمبلغ الذي كان يعبر الحدود كل شهر لم يكن بالنسبة إلى بعض الأسر مجرد مساعدة مالية، بل كان جزءاً أساسياً من ميزانية المنزل، ومع عودة من كان يرسله يصبح تأمين بديل محلي للدخل أحد أبرز التحديات الجديدة.

إقرأ أيضاً: الريف السوري: من الإنتاج إلى الاعتماد على الحوالات

إقرأ أيضاً: الحوالات المالية للمغتربين: شريان الحياة الاقتصادي والأسرية في سوريا

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.