الخصخصة في سوريا.. هل تنقذ اقتصادًا منهكًا أم تتحول إلى بيع ما تبقى من الدولة؟
في بلدٍ أنهكته سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي، يعود ملف الخصخصة إلى واجهة النقاش السوري بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وإثارة للجدل. فبين حكومة تبحث عن تخفيف أعباء قطاع عام مترهل وخزينة تعاني شح الموارد، ومجتمع يخشى فقدان ما تبقى من الممتلكات العامة، تقف سوريا أمام سؤال مصيري: هل ستكون الخصخصة بوابةً للإصلاح أم بداية مرحلة جديدة من تفكيك الأصول الوطنية؟
بين الإصلاح الاقتصادي وخطر تحويل الأزمات إلى صفقات
لم تعد الخصخصة في التجارب الحديثة مجرد بيع للمصانع والشركات الحكومية، بل تحولت إلى عملية معقدة ترتبط بالحوكمة والرقابة ووضوح الأهداف. فالمشكلة، بحسب خبراء اقتصاديين، لا تكمن في هوية المالك بقدر ما تكمن في كفاءة الإدارة وقدرة الدولة على حماية المنافسة ومنع انتقال الاحتكار من القطاع العام إلى أيدي شركات خاصة تتحكم بالسوق والمستهلك.
وفي الحالة السورية، تتضاعف المخاوف بسبب هشاشة المؤسسات، وتراجع منظومة الرقابة، وغياب بيئة اقتصادية مستقرة، ما يثير تساؤلات حول قدرة الدولة على إدارة عملية خصخصة عادلة وشفافة تضمن عدم بيع الأصول بأسعار أقل من قيمتها الحقيقية.
تجارب عالمية.. النجاح يحتاج دولة قوية لا دولة منسحبة
تُظهر النماذج الدولية أن الخصخصة الناجحة لم تكن نتيجة قرارات متسرعة اتُخذت تحت ضغط الأزمات المالية، بل جاءت ضمن استراتيجيات طويلة الأمد ترافقها قوانين صارمة وهيئات تنظيم مستقلة.
فدول مثل ماليزيا والسويد، إلى جانب بعض التجارب الخليجية، اعتمدت على الشراكة المدروسة مع القطاع الخاص، مع احتفاظ الدولة بدور المراقب وصاحب القرار الاستراتيجي، ما ساهم في تحسين الخدمات وجذب الاستثمارات دون التفريط بالمصلحة العامة.
أما الخصخصة التي تتحول إلى مجرد وسيلة للحصول على سيولة عاجلة لسد العجز ودفع النفقات الجارية، فإنها قد تؤدي إلى خسارة موارد استراتيجية طويلة الأجل مقابل مكاسب مالية مؤقتة.
المواطن الحلقة الأضعف في معادلة الخصخصة
تبقى المخاوف الاجتماعية أكثر وجوه الخصخصة حساسية، خاصة في سوريا التي يعيش فيها ملايين السكان تحت ضغوط الفقر والبطالة وتراجع القدرة الشرائية. إذ يخشى العاملون في القطاع العام أن تتحول عملية إعادة الهيكلة إلى موجات تسريح جماعي أو تقليص للضمانات الوظيفية، بينما يخشى المستهلك من ارتفاع أسعار الخدمات الأساسية بعد انتقالها إلى إدارة القطاع الخاص.
ويرى مختصون أن أي مسار للخصخصة دون شبكات حماية اجتماعية، وخطط لإعادة تأهيل العمال، وقوانين تمنع الاحتكار، قد يفاقم الفجوة الاقتصادية ويزيد من هشاشة الفئات الأكثر ضعفًا.
الخصخصة في سوريا.. اختبار للشفافية قبل الاقتصاد
في النهاية، لا تُقاس نجاحات الخصخصة بعدد الشركات التي تخرج من يد الدولة، بل بقدرة الدولة على بناء مؤسسات رقابية مستقلة، وإجراء عمليات بيع أو شراكة شفافة، وتوجيه العائدات نحو الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا، بدل استخدامها كحل إسعافي لأزمة مالية عابرة.
وفي سوريا اليوم، حيث تتداخل الحاجة إلى إعادة الإعمار مع واقع اقتصادي هش ومؤسسات ما تزال تبحث عن استعادة دورها، تبدو الخصخصة سلاحًا ذا حدين؛ فقد تكون خطوة نحو اقتصاد أكثر كفاءة، أو تتحول إلى فصل جديد من خسارة الموارد العامة إذا غابت عنها الشفافية والرؤية التنموية.
اقرأ أيضاً: بمشاركة “قطر للطاقة” و”توتال”.. “كونوكو فيليبس” الأميركية تعود إلى سوريا بعقد غاز جديد