50 منظمة حقوقية تطالب بتحقيقات مستقلة في حالات اختفاء نساء وفتيات بسوريا
دعت خمسون منظمة حقوقية ومدنية سورية ودولية السلطات السورية إلى فتح تحقيقات قضائية مستقلة وشفافة في التقارير المتزايدة المتعلقة باختفاء نساء وفتيات في مناطق مختلفة من البلاد، معتبرة أن التعامل مع هذه الحالات يتطلب تحقيقاً مهنياً يحدد ملابساتها ويكشف مصير الضحايا، بعيداً عن الافتراضات المسبقة أو التفسيرات غير المستندة إلى أدلة.
وجاء ذلك في بيان مشترك نشرته المنظمات، الثلاثاء 14 تموز، استند إلى معلومات وتقارير وثقتها جهات أممية ومنظمات حقوقية سورية ودولية منذ مطلع عام 2025، أشارت إلى تزايد البلاغات والشهادات المتعلقة بحالات اختفاء نساء وفتيات في مناطق سورية مختلفة.
وأكد البيان أن طبيعة هذه الوقائع وخطورتها تستوجب التعامل معها بوصفها قضايا تستحق التحقيق القضائي المستقل، وعدم تصنيفها على أنها خلافات عائلية أو حالات مغادرة طوعية أو ادعاءات غير صحيحة قبل استكمال إجراءات التحقق.
وشددت المنظمات على أن أي استنتاج بشأن ظروف اختفاء النساء أو الفتيات يجب أن يستند إلى مقابلة الضحية بصورة مستقلة وآمنة، وإلى أدلة قابلة للفحص القضائي، مع مراعاة احتمال تعرضها لضغوط أو تهديد أو خوف من الانتقام.
وأضاف البيان أن الاعتماد على تسجيلات مصورة أو روايات غير موثقة لا يكفي لإثبات أن المغادرة تمت بإرادة حرة، ما لم تُستكمل إجراءات التحقق عبر جهات قضائية مستقلة.
آثار اجتماعية تتجاوز الضحايا
ورأت المنظمات أن انعكاسات هذه الحالات لا تقتصر على الضحايا المباشرات، بل تمتد إلى المجتمع، إذ تسهم في زيادة شعور النساء والفتيات بعدم الأمان، وتؤثر في قدرتهن على الوصول إلى التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة.
وأشار البيان إلى أن بعض الأسر أصبحت تتردد في الإبلاغ عن حالات الاختفاء، خشية التعرض للوصم الاجتماعي أو الانتقام، أو بسبب اعتقادها بعدم جدية التعامل مع الشكاوى.
وأضاف أن المخاطر تصبح أكبر عندما يكون المشتبه بهم من أصحاب النفوذ أو العاملين في أجهزة أمنية، أو عندما تقع الانتهاكات داخل أماكن احتجاز رسمية أو غير رسمية، وهو ما ينعكس على ثقة المجتمع بمؤسسات العدالة والرقابة القضائية.
عشرات المنظمات توقع البيان
وضم البيان توقيع 50 منظمة حقوقية ومدنية، من بينها: سين للسلم الأهلي، رابطة عائلات قيصر، سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، المركز السوري للعدالة والمساءلة، مبادرة تعافي، لأجل النسوية، مجلس إيزيديي سوريا، البرنامج السوري للتطوير القانوني (SLDP)، والمركز السوري لبحوث السياسات (SCPR).
قضية بتول علوش
وتناول البيان قضية الطالبة الجامعية بتول سليمان علوش، التي أعلنت عائلتها اختفاءها في مدينة اللاذقية، قبل أن تظهر لاحقاً في تسجيلات مصورة نفت فيها تعرضها للاختطاف، وقالت إنها غادرت منزلها بإرادتها.
واعتبرت المنظمات أن هذه التسجيلات، بحد ذاتها، لا تكفي لإثبات انتفاء أي شكل من أشكال الإكراه، مطالبة بتمكين جهة قضائية مستقلة من مقابلتها بصورة منفردة للتحقق من مكان وجودها وسلامتها وحرية إرادتها، بعيداً عن أي تأثير أو ضغوط محتملة.
كما دعت إلى التحقيق في المعلومات المتداولة بشأن وجودها لدى جهة غير مرخصة، والكشف عن طبيعة هذه الجهة، ومدى قانونية استقبالها أو إيوائها للنساء والفتيات.
خلفية القضية
وبدأت قضية بتول علوش بعد تداول أفراد من عائلتها مقاطع مصورة تحدثوا فيها عن اختفائها، قبل أن تظهر في تسجيل مصور قالت فيه إنها “هاجرت في سبيل الله”، ما أثار تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي.
وفي 11 أيار الماضي، ظهرت علوش في مؤتمر صحفي أكدت خلاله أنها غادرت منزل عائلتها بإرادتها، وأنها لا ترغب في العودة، رغم محاولات وساطة محلية، في حين استمرت عائلتها بالتشكيك في ظروف ظهورها، معتبرة أنها تعرضت لضغوط.
مخاوف بشأن شهادة ولاء محمود
كما أعربت المنظمات عن قلقها إزاء الشهادة المصورة التي أدلت بها ولاء محمود، المنحدرة من ريف جبلة، والتي قالت فيها إنها تعرضت للاختطاف في 25 آذار الماضي، قبل احتجازها وتعريضها لاعتداءات وتهديدات متكررة.
وذكرت ولاء في شهادتها أن شخصاً يشغل منصباً أمنياً في مدينة جبلة كان متورطاً في القضية، كما تحدثت عن نقلها إلى مركز أمني في محافظة اللاذقية، ووجود امرأة أخرى محتجزة في ظروف صحية ونفسية وصفتها بالمتدهورة، إضافة إلى سماعها أصوات تعذيب لمحتجزين آخرين.
وأوضحت المنظمات أن هذه الادعاءات، في حال ثبوتها، قد تشكل انتهاكات جسيمة للقانون السوري والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وتشمل الخطف، والاحتجاز التعسفي، والإخفاء القسري، والعنف الجنسي، والتعذيب، وإساءة استخدام السلطة.
كما اعتبرت أن ما ورد في الشهادة يثير شبهات حول استغلال الصفة الأمنية في تسهيل الاحتجاز ومنع الضحية من التواصل مع أسرتها أو الحصول على مساعدة قانونية، وهو ما يستدعي، بحسب البيان، تحقيقاً قضائياً مستقلاً.
التزامات قانونية على الدولة
وأكد البيان أن الدولة السورية ملزمة، بموجب الإعلان الدستوري والتزاماتها الدولية، بحماية النساء والفتيات من جميع أشكال العنف، وباتخاذ التدابير اللازمة لمنع الانتهاكات والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها، سواء كانوا موظفين رسميين أو أفراداً أو جماعات غير حكومية.
وأضافت المنظمات أن هذا الالتزام لا يقتصر على إنشاء قنوات لتلقي الشكاوى، وإنما يتطلب توفير آليات مستقلة وآمنة وفعالة، قادرة على كشف مصير المفقودات، وحماية الضحايا، وضمان مساءلة المتورطين وجبر الضرر.
أبرز المطالب
وطالبت المنظمات السلطات السورية باتخاذ مجموعة من الإجراءات، أبرزها:
- فتح تحقيق قضائي فوري ومستقل وشفاف في الوقائع الواردة في شهادة ولاء محمود، يشمل جميع من يشتبه في ضلوعهم أو إصدارهم أوامر أو تقديمهم دعماً أو تسترهم على الانتهاكات، مع ضمان حماية الضحية وعائلتها والشهود.
- تعليق الصلاحيات الوظيفية أو الأمنية لأي شخص يرد اسمه بصورة جدية في التحقيق إلى حين انتهاء الإجراءات القانونية، مع احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
- تمكين جهة قضائية مستقلة من مقابلة بتول سليمان علوش بصورة منفردة للتحقق من سلامتها وحرية إرادتها، وإبلاغ أسرتها بنتائج التحقق مع احترام خصوصيتها.
- التحقيق في جميع الأماكن والجهات غير المرخصة التي يشتبه باستخدامها لإيواء أو احتجاز النساء، والكشف عن أماكن الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية وإخضاعها لرقابة قضائية.
- إنشاء آلية وطنية مستقلة ومتخصصة لتلقي بلاغات اختفاء النساء والفتيات، تضم خطاً ساخناً يعمل على مدار الساعة، ونقاط اتصال في المحافظات، ووحدات تحقيق متخصصة تضم محققات وخبراء في العنف القائم على النوع الاجتماعي والأدلة الرقمية.
- توفير الحماية للضحايا والناجيات والشهود وأسرهم والمدافعات عن حقوق الإنسان، وتأمين الدعم الطبي والنفسي والاجتماعي والقانوني بصورة سرية ومجانية.
- نشر بيانات دورية تتضمن أعداد البلاغات والإجراءات المتخذة ونتائج التحقيقات، مع تمكين الجهات الرقابية المستقلة ومنظمات المجتمع المدني من متابعة هذه الملفات، مع الحفاظ على سرية بيانات الضحايا.
وختمت المنظمات بيانها بالتأكيد على أن التعامل الجاد مع قضايا اختفاء النساء والفتيات يمثل خطوة أساسية لتعزيز سيادة القانون، وترسيخ مبدأ المساواة أمام القضاء، ومنع الإفلات من العقاب، واستعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، مشددة على أن التحقيق المستقل والشفاف في هذه القضايا يشكل اختباراً لقدرة المؤسسات على حماية الحقوق وضمان المساءلة.
اقرأ أيضاً:ولاء محمود: قضية اختطاف واعتداء تهز محافظة اللاذقية