منع تجفيف الذرة الصفراء في الرقة.. قرار يضيّق خيارات المزارعين ومجفف حكومي معطّل
مع اقتراب موسم حصاد الذرة الصفراء في محافظة الرقة، وجد المزارعون أنفسهم أمام معادلة تزيد أعباءهم: تجفيف المحصول بات ممنوعاً على الطرق العامة، فيما لا تتوافر بدائل كافية لاستيعاب الإنتاج، والمجفف الحكومي الوحيد لم يستعد عمله بعد. وبين قرار يفرض الالتزام وعجز الجهات المعنية عن تأمين بديل عملي، يتحمل المزارعون مخاطر تلف المحصول وتكاليف إضافية قد تبدد عائد موسم كامل.
في 11 تشرين الأول الحالي، أصدرت إدارة منطقة الرقة تعميماً يمنع نشر الذرة الصفراء وتجفيفها على الطرق العامة والرئيسة والفرعية ضمن المدن والقرى والبلدات التابعة لها. وبررت القرار بالحفاظ على السلامة العامة وانسيابية المرور والحد من الحوادث، محذرة من إخضاع المخالفين للمساءلة القانونية.
لكن القرار، رغم وجاهة منع إشغال الطرق وتعريض مستخدميها للخطر، أعاد طرح سؤال لم تجب عنه الجهات المعنية: أين يجفف المزارعون محاصيلهم في ظل غياب منشآت كافية للتجفيف وتعطل المرفق الحكومي المخصص لهذه المهمة؟
حظر بلا بدائل يرفع كلفة الموسم
يرى المزارع محمود العاصي أن التعميم مجحف، لأنه يمنع الوسيلة التي اعتاد المزارعون استخدامها من دون توفير مواقع بديلة تحمي المحصول من التلف. ويقول إن غياب آليات واضحة للتجفيف والتسويق يضاعف الخسائر، مطالباً بتخصيص ساحات مناسبة أو إيجاد آلية لتصريف الإنتاج بأسعار مقبولة.
ويصف باسل الخليل، أحد مزارعي ريف الرقة الشرقي، القرار بأنه غير منطقي في ظل توقف المجففات الحكومية التي كانت تستجر المحصول عقب الحصاد. ويوضح أن تجفيف الذرة لدى منشآت خاصة ثم نقلها إلى التجار قد يكلف أكثر من 30 دولاراً للطن الواحد، وهو مبلغ يستنزف هامش الربح، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف السيولة لدى المزارعين.
ويستخدم المزارعون الطرق والساحات النظيفة لتقليل رطوبة الحبوب وتجهيزها للتخزين، لكن هذا الأسلوب، رغم انتشاره، لا يشكل حلاً آمناً أو مستداماً. والمشكلة أن منع استخدامه من دون تأمين بديل يترك المزارع عالقاً بين مخالفة التعميم وتحمل نفقات إضافية قد لا يستطيع دفعها.
مجفف واحد ينتظر الاعتمادات
تضم الرقة مجففاً حكومياً واحداً للذرة الصفراء، لم تُستكمل صيانته رغم أهمية دوره في موسم يعتمد عليه آلاف المزارعين. وكان مدير فرع المؤسسة العامة للأعلاف في المحافظة، إبراهيم العليوي، قد قال لوكالة “سانا” في الأول من أيلول الماضي إن الفنيين كشفوا على المجفف وحددوا الأعطال، وأرسلوا الكشوف الفنية إلى الإدارة العامة لرصد الاعتمادات اللازمة للإصلاح.
وأشار العليوي حينها إلى أمله في تجهيز المجفف مع بداية الموسم، موضحاً أن المساحات المزروعة بالذرة تبلغ نحو 35 ألف هكتار وفق بيانات مديرية الزراعة.
غير أن إرسال الكشوف وانتظار الاعتمادات لا يوفران للمزارعين خدمة فعلية. كما لا تزال آلية تشغيل المجفف غير واضحة، سواء لجهة استلام المحصول أو تقديم خدمة التجفيف لقاء أجور. وهذا الغموض يترك المزارعين أمام موسم قائم فعلياً، بينما الحلول المؤسسية ما تزال معلقة.
تراجع الزراعة في ظل غياب الدعم
تراجعت المساحات المزروعة بالذرة الصفراء في الرقة بنحو 50% خلال الموسم الحالي، بحسب مزارعين نقلت عنهم “عنب بلدي”، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة تأمين السيولة، فيما يُسوّق المحصول عبر التجار إلى المحافظات الأخرى من دون تدخل حكومي لشرائه أو دعم أسعاره.
ويأتي منع التجفيف على الطرق في وقت يعاني فيه القطاع الزراعي أصلاً تراجعاً في الاستثمار وغياب ضمانات التسويق. وإذا كانت السلامة العامة تقتضي تنظيم استخدام الطرق، فإن مسؤولية الجهات المعنية لا تتوقف عند إصدار المنع؛ بل تشمل تأمين بنية قادرة على استيعاب المحصول، وصيانة المجفف قبل الموسم، وتوضيح آليات التجفيف والتسويق.
أما ترك المزارع لمواجهة هذه التكاليف وحده، فيهدد بتوسيع التراجع في محصول شكّل بديلاً عن محاصيل أخرى انحسرت زراعتها في المحافظة، ويجعل القرارات التنظيمية عبئاً إضافياً حين تسبقها القيود ولا تواكبها حلول عملية.
اقرأ أيضاً: الرقة: تأخر مستحقات القمح يدفع المزارعين إلى بيع الذرة الصفراء قبل نضجها