الأزمة المعيشية تهدّد «المونة» وطقوس إعدادها في سوريا
لم يكن الفنان دريد لحّام هو من يدندن أغنية «فطّوم فطّوم فطّومة، خبّيني ببيت المونة» هذه المرة، بل أسعد، الذي فاجأ زوجته بسؤاله: «ما بدنا نموّن هالسنة؟»، لتجيبه بسخرية: «صح النوم!».
دار بين الزوجين حديث عن «مشروع» المونة، تخلّلته تعليقات ساخرة على واقعهما المعيشي، الذي يجعل تأمين المواد الأساسية أمراً شاقاً، قبل التفكير في تخصيص جزء من الدخل لتحضير مؤونة الشتاء. فإلى جانب كلفتها، تتطلب هذه العملية جهداً إضافياً، وتضيف عبئاً جديداً إلى أعباء الحياة اليومية.
وقال أسعد (44 عاماً)، الذي يعمل في مجال الدهان: «كنا نموّن كل شيء منذ سنوات، لكن الغلاء وانعدام المقوّمات وقفا حائلاً دون ذلك». ووافقت زوجته سوسن (36 عاماً) على كلامه، قائلة: «انعدام القدرة الشرائية حرمنا من المونة، ودفعنا إلى التركيز على تأمين قوتنا اليومي. ومثلما يقولون: على قد بساطك مدّ رجليك».
انقطاع الكهرباء وفساد الأطعمة
لم تقتصر العوائق أمام تحضير المونة على ارتفاع الأسعار، بل أسهمت أزمة الكهرباء أيضاً في تراجع الإقبال عليها، بحسب أبو وحيد (58 عاماً)، الذي أوضح لـ«المدن» أن التقنين الطويل دفع عائلته في سنوات سابقة إلى التخلص من أكياس البازلاء والفول بعد فسادها نتيجة غياب التبريد.
وأضاف أبو وحيد، وهو ميكانيكي: «مع تحسّن التغذية الكهربائية حالياً، أصبحت الكهرباء ضيفاً ثقيلاً في منازلنا؛ فقد أرعبتنا فواتيرها، واضطررنا إلى فصل الهاوس. لم نستفد شيئاً؛ تيتي تيتي متل ما رحتي جيتي. فعن أي مونة تتحدثين؟».
في المقابل، أعادت بعض العائلات القادرة على تحضير المؤونة إحياء طقوس التخزين التقليدية، عبر تجفيف الخضراوات بدلاً من تفريزها، مع تقليص الكميات المحفوظة من الفاصولياء والملوخية والبامية والكوسا المجروشة وغيرها من الأصناف.
بين متطلبات الصحة ووسائل الحفظ التقليدية
توضح المهندسة الزراعية سلوى (73 عاماً)، في حديثها لـ«المدن»، أن انقطاع التيار الكهربائي بصورة متكررة خلال السنوات الماضية دفع كثيراً من العائلات السورية إلى الاستغناء عن المجمّدات، رغم أنها تتيح حفظ عدد من أصناف الخضراوات بطرق عملية، عند استخدامها بصورة صحيحة.
وتقول إن هذا التغيير دفع عائلات إلى العودة إلى أساليب الحفظ التقليدية، مثل التجفيف والتمليح، مشيرة إلى أن سلامة الأغذية ترتبط بمدى صحة تطبيق هذه الطرق وظروف التخزين. فالأخطاء في الحفظ، أو تعرّض المواد لدرجات حرارة غير مناسبة، قد تؤدي إلى نمو بكتيريا وفطريات ضارة أو إلى فساد الطعام.
وتضيف سلوى أن اتباع طرق الحفظ المناسبة، مثل إعداد عصير البندورة المغلي وتعبئته في مرطبانات زجاجية معقّمة وإحكام إغلاقها وفق إجراءات آمنة، يمكن أن يساعد في إطالة مدة صلاحية بعض المنتجات من دون الاعتماد على التبريد المستمر، مع ضرورة مراعاة متطلبات السلامة الخاصة بكل نوع من الأغذية.
وعلى الرغم من احتمال فقدان بعض الفيتامينات وتراجع جزء من القيمة الغذائية للخضراوات خلال عمليات الحفظ، ترى سلوى أن المونة تظل مصدراً غذائياً مهماً لكثير من العائلات خلال فصل الشتاء.
عادات تتراجع تحت ضغط الأسعار
في سوق ساروجة بدمشق، يصف أبو سليم (58 عاماً)، وهو بائع لمستلزمات المونة، التراجع في حركة البيع، قائلاً لـ«المدن»: «في مثل هذا الوقت من أيام الزمن الجميل، كان المحل لا يهدأ، وكان الناس يشترون الشوالات بالجملة، بخلاف أيامنا هذه، إذ بات ذلك مقتصراً على قلّة».
ويضيف أن بعض الزبائن باتوا يكتفون بشراء كميات صغيرة تتناسب مع إمكاناتهم المادية، موضحاً: «اليوم، يأتي بعض الزبائن ويسألون عن سعر كيلو الجوز، الذي يبدأ من 95 ألف ليرة سورية قديمة وما فوق، ثم يطلبون 100 غرام فقط. وباتوا يستبدلونه بالفستق في المكدوس، وبدلاً من كبس 50 كيلوغراماً، يكتفون بخمسة أو عشرة كيلوغرامات، حفاظاً على رمزية العادة».
لطالما ارتبطت المونة في البيوت السورية بتفاصيل يومية ومشاهد مألوفة؛ من سلاسل البامية ورؤوس الثوم المعلّقة على الشرفات، إلى صواني البندورة المفروشة على الأسطح تحت أشعة الشمس، وأوراق الملوخية الموزّعة على طاولات المنازل لتجفيفها.
ولا تقتصر أصناف المونة السورية على الخضراوات المجففة والمحفوظة، بل تشمل أيضاً الشنكليش واللبنة المحفوظة بزيت الزيتون وأنواع الزيتون المختلفة والكشك، إلى جانب المربيات المصنوعة من اليقطين والمشمش والتين والفريز والكرز، فضلاً عن الباذنجان والنارنج والكبّاد وغيرها من المنتجات التي تختلف باختلاف المناطق والعادات الغذائية.
تراجع اللمّة الاجتماعية
كانت «أرض الديار» في البيوت العربية تتحوّل، خلال موسم المونة، إلى مساحة للعمل الجماعي، تجتمع فيها القريبات والجارات لتحضير المكدوس وحشي حبّاته بعد كبسها، وتجريح الزيتون وتعبئته، وعصر الحصرم والرمان والبرتقال والتوت. وكانت هذه الأعمال تترافق مع تبادل القصص والنكات، لتصبح المناسبة جزءاً من الحياة الاجتماعية، لا مجرد عملية لتخزين الطعام.
وتستعيد ربّة المنزل روان (55 عاماً) تلك الأيام بغصّة، قائلة لـ«المدن»: «كانت هذه الأجواء بمثابة مناسبة اجتماعية؛ أما اليوم، فكل واحدة تجلس في منزلها، إما أن تحضّر مونتها بمفردها، أو أن تستغني عنها تماماً، بحسب ظروفها المعيشية».
ومع ارتفاع تكاليف المعيشة، تحوّلت المونة لدى كثير من العائلات السورية من طقس موسمي يجمع الأقارب والجيران إلى عبء إضافي يصعب تحمّله. فهي لم تكن مجرد مرطبانات مصفوفة في المطابخ، بل ارتبطت في الذاكرة الجماعية بالشعور بالطمأنينة والاستعداد لفصل الشتاء، فضلاً عن كونها تعبيراً عن الاكتفاء المنزلي والارتباط بالعادات المتوارثة.
ارتفاع الأسعار يضيّق خيارات الأسر
في جولة لـ«المدن» على الأسواق، تبيّن أن أسعار الخضراوات ومستلزمات المونة تتفاوت بين سوق وآخر، في ظل استمرار الضغوط المعيشية. وبدأ موسم الفول والبازلاء في نيسان وأيار الماضيين بسعر بلغ نحو 15 ألف ليرة سورية قديمة للكيلوغرام، قبل أن يرتفع سعر البازلاء الخضراء إلى 25 ألفاً، والمفروطة منها إلى 50 ألف ليرة.
وبدأ سعر الأرضي شوكي الموسم عند نحو 8 آلاف ليرة للكيلوغرام، قبل أن ينخفض إلى ما بين 6 و7 آلاف مع تراجع جودته وتخشّبه، فيما استقر سعر الثوم الأخضر عند نحو 8 آلاف ليرة. وبلغ سعر البامية قرابة 30 ألف ليرة، والملوخية ما بين 25 و30 ألفاً، في حين وصل سعر الزيتون الأخضر والأسود إلى 15 ألف ليرة للكيلوغرام الواحد.
ومنذ آب الماضي، ارتفعت أسعار مكونات المكدوس؛ إذ زاد سعر الباذنجان الحمصي من 5 آلاف إلى 8,500 ليرة للكيلوغرام، والفليفلة من 5 آلاف إلى 8 آلاف ليرة. وتراوح سعر ورق العنب بين 25 و50 ألف ليرة للكيلوغرام، فيما بلغ سعر الذرة المفروطة المعدّة للمونة ما بين 15 و20 ألف ليرة، وانخفض إلى نحو 10 آلاف ليرة إذا كانت من اليوم السابق.
أما البندورة المخصصة لإعداد الدبس أو الصلصة، فبلغ سعرها ما بين ألف و1,500 ليرة للكيلوغرام عند شرائها بالسحّارة، مقابل ارتفاع سعرها في البيع بالمفرّق من 5 آلاف إلى 10 آلاف ليرة. كذلك ارتفع سعر الخيار المخصص للمخللات من 5 آلاف ليرة، قبل ارتفاع أسعار المحروقات، إلى نحو 10 آلاف ليرة للكيلوغرام.
ولم تسجّل الفواكه انخفاضاً ملحوظاً في أسعارها؛ إذ تراوح سعر التين بين 25 و30 ألف ليرة للكيلوغرام، فيما بلغ سعر المشمش خلال موسمه نحو 15 ألف ليرة. كذلك تراوح سعر حزمة النعناع المعدّة للتجفيف بين 1,500 و2,000 ليرة سورية قديمة.
وتعكس هذه الأسعار جانباً من الصعوبات التي تواجه العائلات الراغبة في تحضير المونة، إذ لا تتوقف الكلفة عند شراء الخضراوات والفواكه، بل تشمل أيضاً تكاليف بقية المكونات والعبوات ووسائل التخزين، فضلاً عن الوقت والجهد اللازمين لإعدادها.
«تغريبة» المونة السورية
تنوّعت أصناف المونة بتنوّع المناطق السورية وعاداتها الغذائية، ومع نزوح ملايين السوريين وهجرتهم، تجاوزت المونة وظيفتها الغذائية لتصبح صلة وصل بالوطن والذاكرة، ووسيلة لاستعادة شيء من الشعور بالألفة والأمان في بلدان اللجوء والاغتراب.
وتجسّد تجربة أمل (58 عاماً)، المقيمة في ألمانيا، هذا الارتباط؛ إذ استحضرت رائحة المكدوس حنينها إلى ديارها، وحوّلت هذا التراث من ذكرى مرتبطة بالماضي إلى مصدر دخل، من خلال مشروع منزلي صغير ومستدام لبيع المنتجات البلدية السورية، بحسب ما قالت لـ«المدن».
ولا تقتصر قيمة المونة على منتجاتها النهائية، فهي أيضاً معرفة متوارثة تناقلتها أجيال من النساء، اعتمدن في إعدادها على الخبرة والتجربة وتقدير المقادير وضبط النكهات، مع إضافات وطرائق تختلف من عائلة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى. ولم يغب الرجال عن هذه العملية، وإن اختلفت أدوارهم؛ فبعضهم شارك في مراحل التحضير، فيما اقتصر دور آخرين على ترتيب المرطبانات وانتظار تذوّق محتوياتها، على غرار ما تقدّمه بعض المشاهد الكوميدية في الدراما السورية.
وبين ارتفاع الأسعار وأزمات الكهرباء وتراجع القدرة الشرائية، تواجه المونة السورية تحدياً يتجاوز تقلّص الكميات أو اختفاء بعض الأصناف من البيوت. فالأزمة تطال أيضاً الطقوس الاجتماعية المرتبطة بإعدادها، وما تحمله من ذاكرة جماعية وروابط عائلية، لتصبح المحافظة عليها مرتبطة بقدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية قبل أي شيء آخر.
اقرأ أيضاً:مونة الشتاء في سوريا تتقلص.. الغلاء يدفع الأسر إلى نصف الكمية والضروريات