البطالة في سوريا تتسع.. وظائف قليلة وأجور لا تواكب كلفة المعيشة

لم تعد البطالة في سوريا مجرد رقم في مؤشرات الاقتصاد، بل تحولت إلى ضغط يومي يطال الأسرة ومستوى المعيشة ومستقبل الشباب. فغياب فرص العمل المستقرة يتزامن مع ارتفاع كلفة الحياة وتراجع القدرة الشرائية، فيما يجد آلاف الشبان أنفسهم أمام سوق عمل ضيق لا يستوعب مؤهلاتهم، أو يدفعهم إلى قبول أعمال لا تشبه خبراتهم، أو البحث عن مستقبل خارج البلاد.

وبعد سنوات أضعفت الصناعة والزراعة والاستثمار وقلّصت قدرة المنشآت على التوسع، تبدو الحكومة السورية الانتقالية أمام ملف يتجاوز الإعلان عن برامج تدريب أو دعم مشاريع صغيرة. فخلق الوظائف يحتاج إلى اقتصاد ينتج، ويستثمر، ويتوسع؛ وهي حلقات ما تزال تعاني اختناقات واضحة.

وظيفة لا تكفي للعيش

لا تتوقف أزمة سوق العمل عند قلة الوظائف، إذ باتت قيمة الأجر عاملاً حاسماً في تعريف معنى “العمل المستقر”. ويقول العامل وفيق الراشد إن كثيراً من الفرص المتاحة لا توفر دخلاً يتناسب مع الاحتياجات الأساسية للعامل وأسرته، ما يجعل الحصول على وظيفة بحد ذاته غير كافٍ إذا كان الراتب عاجزاً عن تغطية كلفة المعيشة.

وتدفع هذه المعادلة كثيراً من الشباب إلى قبول وظائف بأجور متدنية أو في مجالات لا تتناسب مع اختصاصاتهم، فيما يتحول العمل من وسيلة للاستقرار إلى محاولة مستمرة لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات.

ويرى الخبير الاقتصادي إيهاب اسمندر أن معالجة البطالة لم تعد تحتمل حلولاً مؤقتة، بل تتطلب تنشيط القطاعات الإنتاجية، وتحفيز الاستثمار، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وربط التعليم والتدريب بحاجات السوق.

اقتصاد ضعيف لا يخلق وظائف

يربط الصناعي محمد الحلاق بين البطالة وضعف قدرة الشركات والمنشآت على التوسع، مشيراً إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبات التمويل وتأمين المواد الأولية. فحين تعجز المنشأة عن فتح خط إنتاج جديد أو زيادة نشاطها، فإن قدرتها على استيعاب عمالة إضافية تتراجع تلقائياً.

وهنا تظهر إحدى أكبر ثغرات السياسة الاقتصادية الحالية: الحديث عن تخفيض البطالة من دون معالجة البيئة التي تمنع القطاع الخاص والمنتج المحلي من النمو. فالوظيفة لا تُنتجها القرارات الإدارية، بل يولدها مصنع يتوسع، ومزرعة تستثمر، وشركة قادرة على التمويل، وسوق يستطيع استيعاب الإنتاج.

وتحتاج سوريا، وفق هذا المنطق، إلى توجيه الاستثمار نحو الصناعة والزراعة والخدمات اللوجستية، باعتبارها قطاعات قادرة على خلق وظائف مباشرة وغير مباشرة وتحريك سلاسل إنتاج كاملة.

فجوة بين التعليم وسوق العمل

تتضاعف المشكلة لدى الشباب والخريجين الجدد، إذ يدخلون سوقاً لا يملك آليات واضحة لربط مخرجات التعليم باحتياجاته الفعلية. ويشير الحلاق إلى أن نقص التدريب العملي والمهارات المتخصصة يحرم المؤسسات من الاستفادة الكاملة من القوى العاملة المتاحة، فيما يجد الخريج نفسه أمام مؤهل نظري لا يضمن له مكاناً في سوق العمل.

ويحتاج سد هذه الفجوة إلى تدريب مهني وتقني مرتبط مباشرة بالمصانع والمنشآت، لا إلى برامج نظرية تنتهي بشهادة إضافية من دون وظيفة.

الهجرة.. خسارة مزدوجة

يحذر اسمندر من أن البطالة المتراكمة ليست نتاج الظروف الاقتصادية الراهنة وحدها، بل حصيلة سنوات من تراجع الإنتاج والاستثمار وتقلص قدرة المؤسسات على التوسع، بالتزامن مع خروج أعداد من الكفاءات إلى الخارج.

وتصبح البطالة أكثر خطورة حين تدفع أصحاب المهارات إلى الهجرة؛ فالدولة لا تخسر عاطلاً عن العمل فحسب، بل تخسر رأس مال بشرياً أنفقت الأسر والمؤسسات سنوات في بنائه.

لذلك تبدو المشروعات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال إحدى الأدوات الممكنة لتوسيع سوق العمل، شرط ألا تتحول إلى بديل عن مسؤولية الدولة في توفير التمويل والبنية التحتية والتشريعات والحماية الاقتصادية.

الحكومة أمام استحقاق يتجاوز التدريب

تحتاج معالجة البطالة في سوريا إلى سياسة اقتصادية طويلة الأمد، تبدأ من إعادة تشغيل الإنتاج ولا تنتهي عند تحسين الأجور. أما الاكتفاء ببرامج تدريب متفرقة أو الدعوة إلى ريادة الأعمال فلن يغير كثيراً في سوق يفتقر إلى الاستثمار والسيولة والأسواق والبنية التحتية.

المطلوب من الحكومة الانتقالية ليس فقط أن تساعد الشباب على البحث عن وظيفة، بل أن تخلق البيئة التي تجعل الوظائف قابلة للتولد والاستمرار. فاقتصاد عاجز عن التوسع سيبقى عاجزاً عن التوظيف، وكل عام يمر من دون معالجة جذرية يعني مزيداً من الهجرة، ومزيداً من العمل الهش، ومزيداً من الأسر التي تعيش على حافة العجز المعيشي.

 

اقرأ أيضاً: البطالة في سوريا: “المستحيل الثامن” وتحديات الهجرة وضياع الكفاءات

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.