أزمة ألبسة ومستوردات تهدد المصانع السورية بالإغلاق
يواجه قطاع الألبسة والنسيج في سوريا مرحلة دقيقة ومفصلية في تاريخه، مع تصاعد نفوذ البضائع المستوردة وتوسع حضور الألبسة الجاهزة في الأسواق المحلية، مقابل تراجع حاد في الطاقات التشغيلية للمصانع السورية.
وتأتي هذه التحولات في ظل بيئة اقتصادية معقدة تتسم بارتفاع كبير في تكاليف الإنتاج، وضعف القدرة الشرائية للمواطنين، وتراجع الطلب الداخلي، مما يضع واحداً من أهم القطاعات الإنتاجية أمام أزمة ممتدة تهدد استمراريته برمتها.
تحذيرات صناعية من “نهاية وشيكة” للصناعة الوطنية
يرى صناعيون محليون أن السوق السورية أصبحت مفتوحة بشكل كبير أمام المنتجات الأجنبية، ما انعكس مباشرة على المنتج المحلي الذي يواجه تحديات متراكمة تشمل أزمات الطاقة، وشح المواد الأولية، وصعوبات التمويل، إلى جانب غياب سياسات الحماية الفعالة.
وفي هذا السياق، أكد حسن جنيدي، صاحب معمل نسيج في محافظة حلب لموقع “المدن”، أن السماح باستيراد الأقمشة ومستلزماتها والألبسة الجاهزة من تركيا والصين ودول أخرى ينذر بنهاية الفضل الحقيقي للصناعة النسيجية السورية، واصفاً التطورات الأخيرة بالكارثة الفعلية على القطاع.
وأوضح جنيدي أن المنتج المحلي فقد قدرته التنافسية أمام البضائع المستوردة نتيجة الارتفاع الحاد في التكاليف، ولا سيما مع استمرار أزمة الكهرباء وغلاء أسعار الطاقة، فضلاً عن غياب الرؤية الحكومية الواضحة لدعم المنتج الوطني.
كما أشار إلى أن التعامل مع الأقمشة المستوردة كسلعة جاهزة بدلاً من تصنيفها كمدخل أساسي للإنتاج يمثل خللاً كبيراً يضر بالمعامل المحلية، لكون الأقمشة مادة رئيسية للصناعيين وليست مادة أولية بسيطة ك الخيوط.
وحذر من أن تفاقم الوضع أدى إلى فقدان القطاع لجزء كبير من قدرته التنافسية سعرياً بعد أن تراجعت سابقاً من حيث الجودة، مما يهدد بتراجع أكبر للصادرات وخروج مزيد من المصانع من الأسواق الخارجية.
بيانات رسمية تكشف حجم انكماش القاعدة الإنتاجية
تظهر البيانات الواقع الحرج الذي آلت إليه البنية النسيجية في البلاد؛ فبحسب معطيات عام 2024، يضم القطاع النسيجي أكثر من 24 ألف منشأة تمثل 18.9% من إجمالي المنشآت الصناعية في سوريا، لتأتي في المرتبة الثانية بعد الصناعات الهندسية.
وتتوزع هذه المنشآت بين أكثر من 12 ألف منشأة حرفية و11886 منشأة صناعية. غير أن الأرقام تكشف أن 13833 منشأة فقط لا تزال قيد العمل (أي ما يعادل 56.8% من الإجمالي)، في حين توقفت 10492 منشأة عن الإنتاج تماماً.
وعلى مستوى المنشآت الصناعية، تشير الإحصاءات إلى تشغيل 5913 منشأة مقابل توقف 5973 منشأة، مع تركز رئيسي في محافظة حلب التي تضم 3174 منشأة عاملة و3154 منشأة متوقفة، تليها العاصمة دمشق بواقع 1441 منشأة عاملة و563 متوقفة.
أما المنشآت الحرفية، فتبلغ 7921 منشأة عاملة مقابل 4519 منشأة متوقفة، يتركز معظمها في دمشق وحلب، وهو ما يعكس حجم الأضرار البالغة التي لحقت بهذا القطاع الحيوي.
دعوات حثيثة لإنقاذ القطاع وإعادة هيكلة الرسوم
في مواجهة هذا التراجع، طالب فواز العقاد، عضو غرفة تجارة دمشق ورئيس قطاع الألبسة والنسيج في الغرفة، بحزمة إجراءات حكومية عاجلة للحماية.
ودعا العقاد خلال حديثه “للمدن” إلى خفض الرسوم الجمركية على المواد الأولية مثل الأقمشة والإكسسوارات واعتبارها مستلزمات ضرورية تخضع لأدنى الشرائح وصولاً إلى الإعفاء الكامل، مشيراً إلى أن ارتفاع تكاليف المواد يضعف قدرة المنتج المحلي التنافسية أمام تدفق البضائع الأجنبية.
وفي مقابل تخفيض التكاليف على المواد الأولية، حث العقاد على رفع الرسوم الجمركية على المنتجات الجاهزة المستوردة لإعادة التوازن للسوق وحماية المنشآت الوطنية من خروج وشيك من دائرة الإنتاج.
كما شدد على ضرورة تطبيق مواصفات قياسية صارمة على المنتجات المحلية والمستوردة لحماية المستهلك والحفاظ على سمعة المنتج السوري، داعياً إلى إنشاء “هيئة وطنية” تضم الجهات الداعمة والمنظمات المحلية والدولية لدعم الورش والمعامل الصغيرة والمتوسطة وربطها بالأسواق الخارجية والمغتربين.
ظاهرة الإغراق والتهريب تضغط على القدرة الشرائية
تتأثر الأسواق المحلية بحالة من الإغراق السلعي بالألبسة المستوردة والمهربة، بالتوازي مع انخفاض ملموس في القوة الشرائية للمواطنين.
وفي هذا الصدد، أوضح عبد الرزاق حبزة، أمين سر جمعية حماية المستهلك في سوريا، أن المنافسة بين المحلي والمستورد باتت غير متكافئة لارتفاع فروق التكلفة الناجمة عن الطاقة والضرائب. وأكد أن حجم المعروض يتجاوز القدرة المالية للمستهلكين الذين يفضلون توجيه دخلهم نحو المواد الغذائية، مما زاد من الإقبال على الملابس الرخيصة أو سوق البالة.
وأضاف حبزة أن عمليات التهريب، خاصة من تركيا ومناطق الشمال السوري، تضاعف الضغوط على الورش المعملية الصغيرة.
وذكّر بأن القطاع كان يمثل دعامة اقتصادية بارزة قبل عام 2011، حيث تجاوزت صادراته 1.2 مليار دولار مشكلة أكثر من 10% من إجمالي صادرات البلاد، فضلاً عن دوره في تشغيل اليد العاملة في زراعة وصناعة القطن.
ورغم غياب بيانات رسمية دقيقة تحدد الطلب السنوي الحالي، تظهر حركة التجارة اعتماداً كبيراً على المستوردات النظامية وغير النظامية والمهربة التي تُقدر بمئات ملايين الدولارات، ما يبرز حجم الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك الفعلي.
مخاطر هيكلية وتوصيات اقتصادية للمستقبل
من جهته، حذر الخبير الاقتصادي محمد الحسين من أن التوسع العشوائي في الاستيراد يضع الصناعة الوطنية أمام تحديات بنيوية معقدة.
وأوضح أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الاستيراد بحد ذاته، بل في تدفق منتجات منخفضة التكلفة دون توفر بيئة تنافسية عادلة، مما يجبر المنشآت على تقليص إنتاجها أو إغلاق أبوابها.
وحذر الحسين من أن استمرار هذه الأوضاع سيؤدي إلى تآكل القاعدة الإنتاجية، وارتفاع معدلات البطالة، وزيادة التبعية للخارج لتأمين السلع الأساسية، وهو ما يرفع الأسعار ويزيد هشاشة الاقتصاد المحلي على المدى الطويل.
وأكد أن الحل لا يكمن في إغلاق الحدود، بل في تنظيم عمليات الاستيراد بالتوازي مع تقديم دعم ملموس لتكاليف الإنتاج وتخفيض أعباء الطاقة والضرائب لمنح المنتج المحلي فرصة حقيقية للبقاء والاستمرار.
اقرأ أيضاً:احتجاجات في نحو 80 نقطة سورية رفضاً لرفع أسعار المحروقات
اقرأ أيضاً:قطاع النسيج السوري أمام ضغط الاستيراد وارتفاع كلف الإنتاج.. هل تتراجع الصناعة المحلية؟