موسم التين في سوريا يتراجع.. محصول أقل ودعم حكومي غائب يهدد مصدر دخل الأسر
لم يعد موسم التين في سوريا يحمل ملامح الموسم الذي اعتادته الأسر والمزارعون. فالثمار تتأخر في النضج، وجزء كبير منها يصل إلى مرحلة لا تؤهله للاستهلاك أو التجفيف، فيما تتراجع الكميات القابلة للتصنيع، ويغيب التين المجفف عن الأسواق التي اعتادت ظهوره في هذا الوقت من العام.
وتتجاوز خسارة الموسم انخفاض كمية محصول أو تأخر موعد قطافه، إذ تضرب قطاعاً زراعياً تقليدياً تعتمد عليه أسر محدودة الدخل لتحويل جزء من ثمارها إلى مؤونة ومنتج قابل للبيع بعد انتهاء الموسم. ومع غياب دعم زراعي واضح وإرشاد فعال يساعد المزارعين على مواجهة مشكلات الإنتاج، تبدو الحكومة الانتقالية وكأنها تترك المزارع وحيداً في مواجهة موسم تتراكم فيه الخسائر.
ثمار تتراجع جودتها.. والتجفيف ينكمش
يقول مزارعون إن قسماً كبيراً من الثمار لم يصل بعد إلى النضج المناسب، فيما أصبح جزء من الثمار الموجودة غير صالح للاستهلاك، ما دفع الأسر إلى تقليص الكميات التي كانت تخصصها سنوياً للتجفيف.
ولا يحتاج التين المجفف إلى محصول وفير فحسب، بل إلى ثمار سليمة وناضجة قادرة على تحمل عمليات المعالجة والتجفيف والتخزين. ومع تراجع جودة المادة الأولية، تصبح صناعة التين المجفف أولى حلقات الموسم التي تدفع الثمن، وهو ما يفسر غيابه عن الأسواق بالكميات المعتادة حتى الآن.
وهنا تظهر فجوة لا يمكن اختزالها في تقلبات الموسم: المزارع يحتاج إلى معرفة أسباب تراجع الجودة، ووسائل الحد من الخسائر، وإرشاد زراعي يصل إلى البساتين في الوقت المناسب، لا أن يكتشف حجم المشكلة بعد أن تصبح الثمار غير قابلة للتسويق.
محصول زراعي يتحول إلى دخل للأسر
بالنسبة إلى كثير من الأسر، لا ينتهي دور التين عند بيعه طازجاً. تقول جمانة حرفوش، التي اعتادت تجفيف كميات كبيرة من التين وإقامة معرض سنوي لمنتجاتها الريفية، إن التجفيف يمثل نشاطاً اقتصادياً يوفر للأسر، ولا سيما محدودة الدخل، فرصة لتحويل فائض الإنتاج إلى مادة قابلة للتخزين والبيع على مدى أطول.
وتمنح هذه العملية المنتج الزراعي قيمة إضافية، بدلاً من رهن المزارع نفسه بسعر السوق خلال أسابيع القطاف. لكن غياب الدعم لمثل هذه الأنشطة المنزلية، وعدم تأمين مستلزمات التصنيع والتجفيف أو تطوير قنوات التسويق، يبقي القيمة المضافة محدودة ويجعل الأسر أكثر ارتباطاً بسوق طازج لا يرحم المنتج عندما تتراجع قدرته على التفاوض.
الحكومة الانتقالية غائبة عن موسم يحتاج إلى تدخل
المفارقة أن التعامل مع الموسم يبدو محصوراً في انتظار تحسن الظروف ووصول ما تبقى من الثمار إلى النضج، بينما لا يظهر في المادة ما يشير إلى خطة حكومية واضحة لمساندة المزارعين أو معالجة أسباب تراجع الجودة.
وكان يفترض أن تبدأ الاستجابة من الإرشاد الزراعي، عبر متابعة البساتين وتحديد أسباب ضعف الثمار وتقديم التوصيات المناسبة، وصولاً إلى دعم عمليات التجفيف والتصنيع والتخزين والتسويق. كما أن حماية هذه الزراعة لا تنفصل عن فتح قنوات لتسويق منتجاتها وتأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار يمكن للأسر تحملها.
لكن استمرار التعامل مع الزراعة بمنطق انتظار الموسم التالي يترك المزارع أمام خسارته، والأسرة أمام دخل أقل، والسوق أمام منتج يختفي تدريجياً.
التين المجفف.. غياب عن السوق وانكماش في الريف
هذا العام، تبدو الصورة أكثر قسوة: موسم متأخر، ثمار متضررة، كميات أقل مخصصة للتجفيف، ومنتج غائب عن الأسواق. وإذا بقيت المعالجة الحكومية عند حدود المتابعة العامة، فإن المشكلة لن تتوقف عند موسم واحد، بل قد تدفع الأسر إلى التخلي تدريجياً عن نشاط زراعي وتصنيعي كان يشكل جزءاً من اقتصادها الريفي.
فالمطلوب ليس انتظار موسم أفضل، بل بناء منظومة تمنع أن تتحول كل سنة زراعية صعبة إلى خسارة كاملة للمزارع. وعندما يغيب الدعم والإرشاد والتسويق، يصبح التين المجفف مثالاً آخر على قطاع ريفي يملك الأرض والمنتج، لكنه يفتقد الدولة القادرة على حماية قيمته الاقتصادية.
اقرأ أيضاً: التفاح في السويداء وفير.. لكن غياب الأسواق يترك المزارعين تحت رحمة التجار