خان أسعد باشا في دمشق أمام مشروع فندقي.. الاستثمار يفتح أسئلة حماية التراث وإتاحة الخان للزوار
لم تعد قضية خان أسعد باشا في دمشق القديمة مرتبطة بترميم مبنى تاريخي أو إبقائه مفتوحاً أمام الزوار، بل باتت مرتبطة بقرار أكثر حساسية: كيف يمكن تحويل واحد من أبرز خانات المدينة القديمة إلى منشأة فندقية من دون أن يفقد وظيفته التاريخية أو تتضرر بنيته المعمارية؟
طرحت وزارة الثقافة الخان للاستثمار كمشروع فندق سياحي، فيما لا يزال المستثمر غير محسوم والمشروع في مرحلة الطرح والدراسة. وبينما تبدو إعادة توظيف المبنى فرصة لإدخاله في دورة سياحية واقتصادية جديدة، فإن وضع دمشق القديمة على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر يجعل أي تدخل في نسيجها العمراني أكثر من مجرد مشروع استثماري.
خان تاريخي في قلب دمشق القديمة
يقع خان أسعد باشا في سوق البزورية، وتبلغ مساحته نحو 2500 متر مربع. شُيد في القرن الثامن عشر على يد أسعد باشا العظم، واستخدم تاريخياً لاستقبال التجار والقوافل، قبل أن يتحول لاحقاً إلى مساحة للفعاليات والمعارض والأنشطة المرتبطة بالحرف والصناعات التقليدية.
وتنبع حساسية المشروع من أن الخان ليس مبنى معزولاً عن محيطه، بل جزء من نسيج عمراني تاريخي تدرجه اليونسكو ضمن القيمة العالمية الاستثنائية لدمشق القديمة، التي أُدرجت على قائمة التراث العالمي عام 1979، ثم على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر منذ 2013.
وفي قرارها لعام 2026، أبقت لجنة التراث العالمي دمشق القديمة على قائمة الخطر، وطالبت بإبلاغ مركز التراث العالمي مسبقاً بأي مشروع ترميم أو تطوير كبير يمكن أن يؤثر في القيمة العالمية للموقع، قبل اتخاذ قرارات يصعب التراجع عنها. كما دعت إلى استكمال أطر الحماية والإدارة والسياحة المستدامة.
فندق داخل خان.. أين تبدأ حدود التغيير؟
بحسب مديرية الآثار والمتاحف، تقدم عدد من المستثمرين للمشروع، لكن اختيار المستثمر لم يُحسم بعد. وتؤكد المديرية أن أي قرار نهائي سيُبنى على دراسات فنية وتقييم لأثر المشروع على التراث، على أن يُرفع التقييم إلى اليونسكو قبل الحسم.
لكن تحويل مبنى صُمم لوظيفة تاريخية مختلفة إلى فندق يفرض سلسلة من الأسئلة العملية: أين ستوضع الحمامات والمطابخ وشبكات الصرف؟ كيف ستُمدد التجهيزات الكهربائية والخدمية؟ وما حجم التعديلات التي يمكن إدخالها من دون المساس بالعناصر الأصلية للمبنى؟
المسألة هنا لا تتعلق برفض الاستثمار في التراث، بل بحدود الاستثمار عندما يصبح المبنى نفسه جزءاً من التراث الذي يفترض حمايته. فكل تدخل إنشائي دائم داخل خان تاريخي يمكن أن يتحول إلى تغيير يصعب عكسه إذا لم يُدرس قبل التنفيذ.
تجربة سليمان باشا تعود إلى الواجهة
لا يأتي الجدل حول خان أسعد باشا في فراغ. فقد سبق تحويل خان سليمان باشا إلى فندق خمس نجوم، وهو المشروع الذي طلبت اليونسكو بشأنه تقديم مزيد من الوثائق وتقييم أثره على التراث، والتأكيد على ضرورة مراجعة المشروعات المؤثرة في القيمة العالمية الاستثنائية قبل تنفيذ أعمال يصعب التراجع عنها.
وتعيد هذه التجربة السؤال نفسه إلى خان أسعد باشا: هل ستكون الدراسات هذه المرة سابقة على القرار والتنفيذ فعلاً، أم أن الاستثمار سيحدد مسار التدخل أولاً ثم تأتي حماية التراث لاحقاً؟
وتزداد أهمية السؤال لأن اليونسكو لا تنظر إلى دمشق القديمة باعتبارها مجموعة مبانٍ منفصلة، وإنما باعتبارها نسيجاً عمرانياً متكاملاً يضم نحو 125 معلماً محمياً، بينها الخانات والمدارس والبيوت والأسوار والأبواب.
الزائر.. جزء من المعادلة
تؤكد مديرية الآثار أن شروط المشروع تتضمن إبقاء الخان متاحاً للزوار، لكن آلية ذلك لم تُحسم بعد، كما أن الخان سيُغلق خلال أعمال التأهيل إذا انتقل المشروع إلى مرحلة التنفيذ.
وهنا تظهر فجوة أخرى: فإعادة توظيف الخان سياحياً لا ينبغي أن تعني تحويله إلى مساحة تجارية مغلقة عملياً أمام سكان دمشق وزوارها. قيمة المبنى لا تتوقف على الإيراد الذي يمكن أن يحققه الفندق، بل تشمل قدرته على البقاء جزءاً من الذاكرة العامة والفضاء الثقافي للمدينة.
الاستثمار لا يعفي الدولة من مسؤولية الحماية
تحتاج دمشق القديمة إلى موارد للترميم والصيانة وإعادة تنشيط اقتصادها المحلي، لكن الاستثمار لا يمكن أن يصبح بديلاً عن سياسة واضحة لحماية التراث. وتؤكد قرارات اليونسكو الحديثة أن المطلوب ليس فقط تنفيذ مشاريع منفردة، بل وجود إطار للحفظ والإدارة والسياحة المستدامة، إلى جانب مراجعة مسبقة للمشروعات ذات الأثر المحتمل على القيمة العالمية للموقع.
لذلك يبقى مستقبل خان أسعد باشا معلقاً على ما ستقوله الدراسات، لا على اسم المستثمر وحده. فالاختبار الحقيقي للمشروع سيكون في قدرة الجهات السورية على إثبات أن الاستثمار يمكن أن يخدم المبنى من دون أن يبتلع هويته، وأن إعادة توظيف التراث لا تعني إعادة تشكيله وفق حاجات السوق.
فإذا كان الفندق هو الغاية، يصبح الخان وسيلة. أما إذا كان الحفاظ على الخان هو الأصل، فيجب أن يكون الاستثمار هو الوسيلة لا العكس.
اقرأ ايضاً: جدل واسع في سوريا بعد افتتاح مطعم داخل قلعة دمشق الأثرية.. ومخاوف من مساس للتراث العالمي