أجر العامل المياوم في سوريا لا يغطي كلفة المعيشة.. فجوة تتسع بين الدخل وسلة الغذاء

يجد العامل المياوم في سوريا نفسه أمام فجوة متزايدة بين ما يحصل عليه من دخل وما تحتاجه أسرته لتأمين أساسيات الحياة، في ظل ارتفاع تكاليف الغذاء والسلع والخدمات. ووفق بيانات برنامج الأغذية العالمي، بلغ متوسط الأجر اليومي للعامل المياوم في حزيران 2026 نحو 966 ليرة جديدة، أي ما يعادل 7.92 دولارات وفق السعر الرسمي، وهو ما يرفع دخله الشهري إلى نحو 25,116 ليرة عند احتساب 26 يوم عمل.

ويقل هذا الدخل عن كلفة سلة الإنفاق الأدنى لأسرة مكونة من خمسة أفراد، والبالغة 26,551 ليرة، بفارق يصل إلى 1,435 ليرة. كما لا يغطي الحد الأدنى للأجور سوى 47% من الاحتياجات الأساسية للأسرة، بحسب المعطيات الواردة في التقرير.

وتأتي هذه الفجوة في وقت ارتفعت فيه كلفة سلة الإنفاق الأدنى بنسبة 33% خلال عام، بالتوازي مع زيادة أسعار المواد الغذائية بنسبة 8.8%، والمواد غير الغذائية بنسبة 12.2%، والغاز بنسبة 15.8%.

زيادة الأجور أمام ارتفاع الأسعار

أقرت الحكومة زيادة بنسبة 50% على رواتب العاملين في القطاع العام بموجب المرسوم رقم 67 لعام 2026، إلى جانب زيادة المعاشات بنسبة 30%، في إطار ما تقول إنه مسار لإصلاح الأجور وتحسين الوضع المعيشي.

لكن خبراء اقتصاديين يرون أن تأثير هذه الزيادة بقي محدوداً في ظل استمرار ارتفاع الأسعار واختلالات سوق الصرف.

ويقول الخبير الاقتصادي عدنان الجاسم إن المشكلة تتجاوز قيمة الزيادة الاسمية، معتبراً أن رفع الأجور من دون استقرار في الأسعار وضبط الأسواق وتوسيع فرص العمل النظامية وتخفيف تكاليف النقل والطاقة، يجعل الزيادة عرضة للتآكل خلال فترة قصيرة.

ووصف الجاسم الزيادة بأنها “إعلامية فقط، وقد دُمرت حتى قبل أن يتقاضاها الموظفون”، مشيراً إلى أن رفع الرواتب بنسبة 50%، في ظل انخفاض مستوياتها أساساً، لم ينعكس برأيه على الوضع الاقتصادي للموظف السوري بصورة ملموسة.

ويضيف أن بعض التجار يعتمدون سعراً احتياطياً للدولار يصل إلى 16 ألف ليرة، وهو أعلى بنسبة تتراوح بين 10 و15% من سعر السوق، لافتاً إلى أن الفائدة الأكبر من الزيادة، بحسب تقديره، لم تصل إلا إلى شريحة محدودة لا تتجاوز 3% من العاملين في الدولة.

المياومة.. عمل بلا ضمانات

لا يعمل المياوم عادة ضمن علاقة وظيفية مستقرة، إذ ينتشر هذا النمط في قطاعات البناء والتحميل والزراعة الموسمية والورش الصغيرة والخدمات اليومية والأعمال المرتبطة بالمناسبات أو بالطلب المباشر.

ويرى الجاسم أن طبيعة هذا العمل تجعل العامل المياوم من أكثر الفئات هشاشة في سوق العمل، لغياب العقد الثابت والضمانات الاجتماعية، فضلاً عن تعرض دخله لخطر الانقطاع المفاجئ أو التفاوض غير المتكافئ حول الأجر وساعات العمل.

ويشير إلى أن تقليص الفارق بين سعر الصرف الرسمي والسوق الموازية، رغم أهميته، لن يكون كافياً بمفرده لتحسين الوضع المعيشي، ما لم يترافق مع استثمارات فعلية، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وخفض تكاليف الطاقة المستخدمة في الإنتاج المحلي.

بدوره، يرى الخبير الاقتصادي حسان مراد، أن الفارق بين الأجور وتكاليف المعيشة يفرض سؤالاً حول مدى جدوى الزيادات الدورية إذا لم ترتبط بآلية ثابتة تأخذ في الاعتبار التغير الفعلي في كلفة المعيشة.

ويعتبر مراد أن العامل الذي يعمل طوال الشهر ويبقى دخله دون الحد الأدنى من كلفة المعيشة لا يخرج من دائرة تأمين الضروريات اليومية، بل يجد نفسه في اقتصاد يقوم على تدبير الاحتياجات الأساسية بدلاً من توفير مستوى معيشة مستقر.

ويحذر من أن ضخ السيولة النقدية في اقتصاد يعاني من ضعف القاعدة الإنتاجية ويعتمد على الاستيراد قد يزيد الطلب على القطع الأجنبي، بما ينعكس على سعر صرف العملة المحلية.

كلفة المعيشة تضغط على الأسر

ولا تقتصر آثار فجوة الدخل على العامل نفسه، بل تمتد إلى خيارات الأسرة الغذائية والتعليمية والاجتماعية.

وترى الباحثة الاجتماعية سهام الصالح، أن المشكلة لا تتعلق بمستوى الأجر فقط، وإنما أيضاً بغياب آليات تحمي العامل من تقلبات السوق ومن خفض الأجور أو تأخير دفعها أو زيادة ساعات العمل مقابل الأجر نفسه.

وتحذر الصالح من أن تحول المياومة إلى نمط من “العمل عند الحاجة” بدلاً من كونها عملاً مستقراً قد يدفع الأسر إلى خيارات صعبة، من بينها إدخال الأطفال إلى سوق العمل لتعويض العجز المالي، أو الاعتماد بصورة أكبر على الأقارب والحوالات الخارجية والمساعدات الإغاثية.

كما تشير إلى مخاطر مرتبطة بالتغذية، إذ قد تضطر الأسر إلى التخلي عن مصادر البروتين وغيرها من العناصر الغذائية والاعتماد بشكل أكبر على الكربوهيدرات الأقل كلفة.

وبحسب الصالح، يفترض أن يمثل الحد الأدنى للأجر شبكة أمان للعامل، لكنه يتحول في الحالة السورية إلى مؤشر على عمق الفجوة المعيشية عندما يصبح الدخل الشهري غير كافٍ لتغطية سلة الغذاء والاحتياجات الأساسية.

“كل ما نكسبه يذهب لخبز اليوم”

تظهر آثار هذه الفجوة بصورة مباشرة في الأسواق ومواقع العمل، حيث يصف عاملون يومياتهم باعتبارها سباقاً لتأمين الضروريات، بينما يؤدي فقدان يوم واحد من العمل في بعض الحالات إلى اللجوء للاستدانة أو تأجيل شراء بعض الاحتياجات.

في دمشق، يتحدث قصي الأحمد، وهو مسؤول عن إعالة أسرة مكونة من سبعة أفراد، عن تأثير ارتفاع كلفة المواد الأساسية على أسرته. ويقول إن ربطة الخبز انخفضت من 10 إلى 8 أرغفة مع بقاء السعر نفسه، ما يعني فقدان عائلته 10 أرغفة يومياً.

ويقدر الأحمد كلفة الخبز واللبن والخيار والطماطم بنحو 70 أو 80 ألف ليرة، أي ما يعادل نحو 5 أو 6 دولارات، من دون احتساب وجبة الغداء، متسائلاً عن كيفية تغطية هذه النفقات بدخل عامل يعتمد على المياومة.

وفي اللاذقية، ينتظر مروان يونس، البالغ 42 عاماً والأب لثلاثة أطفال، فرصة عمل يومية في أحد أسواق البناء. ويقول إن العامل قد يحصل على نحو 850 إلى 900 ليرة جديدة مقابل يوم كامل من العمل تحت الشمس.

ويضيف أن المرض ليوم واحد يعني حرمان الأسرة من دخل ذلك اليوم، وأن الإنفاق بات يتركز على الخبز والزيت والبطاطا، بينما تتراجع القدرة على تأمين تكاليف الطبابة وكسوة الأطفال.

وتتوافق هذه الشهادات مع تقديرات أممية تشير إلى أن 80% من الأسر السورية لا تزال غير قادرة على تأمين احتياجاتها الغذائية بصورة منتظمة.

الحكومة: إجراءات لتحسين الدخل والإنتاج

في المقابل، تقول الحكومة إنها تعمل على تحسين الظروف المعيشية من خلال زيادة الرواتب بنسبة 50% والمعاشات بنسبة 30%، ومواصلة إصلاح منظومة الأجور، إلى جانب إجراءات مرتبطة بسعر الصرف والإنتاج المحلي.

وتشمل الإجراءات التي تشير إليها الحكومة تسعير الوقود بالعملة الوطنية، وتعزيز إنتاج الدواجن، وشراء كميات من القمح لتغطية جزء من الاحتياجات.

ويقول مصدر في وزارة المالية، طلب عدم ذكر اسمه، إن الحكومة تحاول من خلال السياسات النقدية وسياسات الأجور الحد من التضخم وتقليص الفجوة بين الدخل والأسعار.

لكن المصدر يشير إلى أن إعادة هيكلة الحد الأدنى للأجور وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي تواجه تحديات مرتبطة بالتضخم العالمي والعقوبات وتراجع الإنتاج المحلي، إضافة إلى آثار سنوات الحرب والتجزئة الاقتصادية بين المناطق السورية.

ربط الأجور بكلفة المعيشة

ويرى الخبير الاقتصادي طه العبادي، أن أرقام الأجور وتكاليف المعيشة تفرض على الجهات المعنية التعامل مع الفجوة باعتبارها قضية اقتصادية واجتماعية، لا مجرد مسألة مرتبطة بزيادة الرواتب.

ويعتبر العبادي أن الزيادات الاسمية قد تفقد أثرها سريعاً إذا سبقها التضخم، داعياً إلى ربط الأجور بمؤشر التضخم وتحديث مستوياتها بصورة دورية بما يتناسب مع تغير كلفة سلة الإنفاق الأدنى.

كما يدعو إلى تفعيل شبكات الأمان الاجتماعي، وتوجيه الدعم المالي المباشر والسلال الغذائية إلى المناطق والفئات الأكثر تضرراً، إلى جانب خفض كلفة الإنتاج والطاقة بهدف الحد من ارتفاع أسعار الغذاء والخدمات الأساسية وتقليل الاعتماد على الأسواق الموازية.

وتضع هذه المعطيات العامل المياوم في قلب مشكلة أوسع تتعلق بالعلاقة بين الأجور والأسعار في سوريا. فحتى مع رفع الرواتب رسمياً، تبقى قدرة الدخل على تغطية الاحتياجات مرتبطة بمسار الأسعار والإنتاج وسوق الصرف ومستوى الحماية الاجتماعية.

وفي ظل اتساع الفجوة بين الأجر اليومي وكلفة المعيشة، لا يقتصر التحدي على مقدار ما يحصل عليه العامل مقابل يوم عمله، بل يمتد إلى قدرته على الحفاظ على دخل مستقر يكفي أسرته من دون الاعتماد المستمر على الاستدانة أو التحويلات أو المساعدات.

اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟

اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.