رواتب تتبخر قبل الشتاء.. والتدفئة عبء جديد على الأسر السورية
لا تحتاج الأسر السورية إلى انخفاض درجات الحرارة كي تدرك أن الشتاء المقبل سيكون أكثر كلفة؛ فحسابات الدخل والنفقات تكشف العجز قبل تشغيل المدافئ. في حماة، يحاول كنان حج لطوف، الموظف وأب لثلاثة أطفال، تدبير ثمن الوقود والملابس الشتوية، لكنه يصطدم بحقيقة أن راتبه لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية أصلاً، فكيف يمكنه اقتطاع مبلغ إضافي لمواجهة البرد؟
تأتي هذه الأزمة رغم رفع الحد الأدنى للأجور إلى مليون و250 ألف ليرة سورية، إذ لا تعني زيادة الرواتب بالضرورة تحسناً في القدرة الشرائية حين تواصل تكاليف الغذاء والطاقة والمواصلات استنزاف الدخل. ومع رفع سعر ليتر المازوت من 12500 إلى 17500 ليرة في أيلول، اتسعت الفجوة بين ما تحتاجه الأسر لتجاوز الشتاء وما تستطيع دفعه فعلياً.
دخل لا يغطي الحاضر
يتقاضى كنان نحو مليون ونصف المليون ليرة شهرياً، بينما تبلغ نفقاته الأساسية نحو 1.9 مليون ليرة، تشمل إيجار المنزل والمواصلات والطعام والكهرباء. ويضطر إلى الاستدانة لتغطية العجز، أو الاعتماد على ما تجنيه زوجته من بيع المطرزات التي تحيكها.
ويختصر مأزقه بسؤال لا تملك ميزانيته إجابة عنه: «فماذا نحذف أيضاً كي نؤمن مصدر التدفئة في الشتاء؟». فقد استغنت الأسرة منذ سنوات عن اللحوم والفواكه، ولم يعد لديها إنفاق كمالي يمكن تقليصه. أما التدفئة، فاقتصرت على أغطية صوفية مهترئة وملابس مستعملة يشتريها بالدين كل عدة سنوات.
وفي دمشق، يواجه المتقاعد شكري عزقول، البالغ 68 عاماً، معضلة مشابهة. فراتبه البالغ مليوناً و350 ألف ليرة لا يسمح بتغطية التدفئة بالمازوت، فيما تدفعه إصابة زوجته بالربو إلى البحث عن وسيلة لتدفئة المنزل. ووفق حساباته، فإن تشغيل المدفأة خمس ساعات يومياً لمدة ثلاثة أشهر يحتاج إلى نحو 3.1 ملايين ليرة حتى عند احتساب السعر المدعوم البالغ 11500 ليرة لليتر.
التدفئة تُموَّل من الطعام
لم يجد شكري حلاً سوى شراء مدفأة تعمل على الكاز، بكلفة تقارب 500 ألف ليرة، بعد الاستغناء عن أسطوانة الغاز وخفض الإنفاق على الطعام والمواصلات والإنترنت. وتكشف هذه الحسابات أن تأمين الدفء لم يعد بنداً إضافياً في ميزانية الأسرة، بل أصبح يتطلب التضحية باحتياجات أخرى.
وفي حلب، يقول عامل المياومة غسان شيخ الحدادين إن سعر طن الحطب، البالغ أربعة ملايين ليرة، يعادل دخل شهرين من العمل، حتى قبل احتساب الطعام والشراب. ومع تراجع أعمال البناء شتاءً، يجمع مواد بلاستيكية وبقايا أحذية وكرتوناً لاستخدامها في المدفأة، رغم إدراكه مخاطر الدخان على صحة أسرته.
ولا تقتصر الخيارات القاسية على الأسر الأشد فقراً. ففي إدلب، يخطط مهند الباشا، الذي يتقاضى أربعة ملايين ليرة شهرياً، لتقليص نفقات الغذاء والمواصلات وتأجيل بعض الفحوص الطبية لابنه لتأمين المازوت. هكذا يتحول الاستعداد للشتاء إلى عملية اقتطاع متواصلة من الغذاء والصحة والاحتياجات اليومية، حتى لدى أسر يتجاوز دخلها رواتب شريحة واسعة من السوريين.
حلول فردية لأزمة معيشية عامة
طرحت وزارة الطاقة ثلاثة أنواع من المازوت بأسعار متفاوتة، بينها نوع مدعوم للتدفئة والزراعة، لكن موعد بدء توزيع الكميات المخصصة للمواطنين لم يُحدد بعد. وبينما تنتظر الأسر آلية التوزيع، تبقى كلفة الوقود عبئاً قائماً، ولا تقدم الأسعار المخفضة وحدها حلاً لمن لا يملك ثمن الكمية الأساسية.
وتعيد هذه الأزمة إلى الواجهة دراسة مسحية أجراها مركز حرمون للأبحاث مطلع عام 2023، أظهرت أن 44 بالمئة من الأسر السورية كانت تقلل كميات الطعام لتوفير التدفئة، فيما كان شخص واحد من كل خمسة يستغني عن الدواء والمستلزمات الطبية غير العاجلة للسبب نفسه.
وفي بلد لا يغطي فيه دخل كثير من العاملين الحد الأدنى من النفقات، تبدو الدعوات إلى التقشف وتحسين إدارة الميزانية منفصلة عن جوهر المشكلة: لا يمكن إعادة توزيع دخل غير كافٍ إلى ما لا نهاية. ومع غياب دعم فعلي يتناسب مع كلفة الوقود وحاجات الأسر، يُترك السوريون لمواجهة الشتاء باستدانة جديدة أو غذاء أقل أو تدفئة لا تكفي، فيما يتحول البرد إلى اختبار يومي لقدرتهم على حماية صحتهم والحفاظ على الحد الأدنى من العيش.
اقرأ ايضاً: تكاليف المعيشة في سوريا تتجاوز قدرة الأسر.. فجوة كبيرة بين الرواتب والأسعار