أزمة المياه في دمشق تتفاقم.. تقنين التزويد يدفع السكان نحو الصهاريج
دخل سكان في دمشق وريفها مرحلة جديدة من تقنين المياه بعد تعديل الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي برنامج التزويد في عدد من المناطق، لتصبح التغذية يومين إلى ثلاثة أيام أسبوعياً بحسب المنطقة، وسط شكاوى من ضعف الضخ وعدم وصول المياه إلى الخزانات، بالتزامن مع انقطاعات الكهرباء وارتفاع كلفة شراء المياه من الصهاريج.
وجاء تعديل البرنامج في 5 آب الحالي، بعدما كان التزويد يعتمد يوماً للضخ وآخر للقطع. وبررت الشركة القرار بانخفاض غزارة المصادر المائية الرئيسة التي تغذي مدينة دمشق وأجزاء من ريفها المحيط.
ويزيد ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف من حساسية المشكلة بالنسبة للسكان، إذ يرتفع الطلب على المياه في وقت تراجعت فيه أيام التزويد، ما دفع بعض الأسر إلى الاعتماد على الصهاريج لتأمين احتياجاتها المنزلية.
ضعف الضخ يفاقم المشكلة
ولا ترتبط معاناة السكان بعدد أيام التزويد فقط، إذ تواجه الأبنية المرتفعة مشكلة إضافية تتمثل في ضعف ضغط المياه، ما يحول دون وصولها بشكل كافٍ إلى الخزانات، خصوصاً عندما تكون فترة الضخ قصيرة.
وتزيد انقطاعات الكهرباء من صعوبة الوضع، إذ تحتاج بعض الأبنية إلى المضخات لرفع المياه إلى الخزانات والطوابق العليا، ما يجعل الاستفادة من ساعات التزويد مرتبطة أيضاً بتوافر الكهرباء لتشغيل المضخات.
ومع عدم كفاية المياه الواصلة إلى بعض المنازل، أصبحت الصهاريج وسيلة بديلة بالنسبة إلى عدد من السكان، سواء لتغطية النقص الناتج عن تقليص أيام التزويد أو بسبب عدم قدرة المياه على الوصول إلى خزانات الأبنية.
وبحسب سكان، يتراوح سعر متر المياه الذي توفره الصهاريج بين نحو 50 و80 ألف ليرة سورية بالعملة القديمة، أي ما يقارب 500 إلى 800 ليرة سورية جديدة، تبعاً للسعر الذي يحدده البائع.
الصهاريج تضيف كلفة إلى الأسر
وقال وائل العتر، أحد سكان دمشق، إن كميات الهطول خلال الشتاء دفعت السكان إلى توقع تحسن الوضع المائي خلال الصيف، لكن تقليص برنامج التزويد أعاد الحاجة إلى شراء المياه.
ويرى العتر أن شراء المياه من الصهاريج يمثل مصروفاً إضافياً على الأسر، في وقت ترتفع فيه تكاليف المعيشة. وأضاف أن متر المياه، الذي يعادل ألف ليتر، لا يكفي عائلته ليومين.
وأوضح أن المشكلة لا تتعلق فقط بأيام القطع، وإنما أيضاً بضعف الضخ واختلاف مدة التزويد بين الأحياء، إلى جانب تأثير انقطاع الكهرباء في قدرة السكان على تشغيل المضخات وملء الخزانات.
كما انتقد ارتفاع أسعار بعض الصهاريج، وقال إن بعض البائعين يعزون الزيادة إلى ارتفاع أسعار المحروقات، معتبراً أن تقليص أيام التزويد لا يتناسب مع احتياجات السكان خلال فترة ارتفاع درجات الحرارة.
سكان الأبنية المرتفعة أمام مشكلة مزدوجة
وتواجه فاطمة الصليحي، من سكان منطقة الصناعة في دمشق، المشكلة نفسها. فهي تقيم في بناء سكني من أربعة طوابق، وتقول إن المياه تصل إلى البناء منذ أكثر من شهرين بضغط ضعيف.
وبحسب الصليحي، فإن ساعات التغذية الكهربائية لا تكفي أحياناً لتشغيل مضخة المياه وملء الخزان، كما أن مدة التزويد بالمياه تكون في بعض الحالات أقصر من الفترة المحددة في البرنامج المعلن.
وتصف الصليحي سعر متر المياه البالغ 75 ألف ليرة بأنه عبء كبير على العائلات، مشيرة إلى أن تقليص برنامج التزويد إلى يومين أو ثلاثة أيام أسبوعياً قد يزيد اعتماد السكان على الصهاريج.
ارتفاع الطلب على الصهاريج منذ تموز
من جهته، قال حسام الرزي، وهو أحد بائعي المياه عبر الصهاريج في دمشق، إنه يحصل على المياه من آبار في ضواحي العاصمة، ويستخدم مولدة كهربائية لضخها إلى الطوابق المرتفعة.
وأشار الرزي إلى أن تشغيل المولدات يرفع استهلاك المازوت والبنزين، إضافة إلى تكاليف نقل المياه وتوزيعها، ما ينعكس على السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
وعزا ارتفاع أسعار المياه إلى زيادة كلفة المحروقات والضغوط المعيشية وارتفاع أسعار السلع والخدمات بشكل عام.
وقال إن الطلب على المياه المنقولة بالصهاريج بدأ بالارتفاع منذ تموز الماضي، ولاحظ خلال اليومين الأخيرين زيادة في عدد الطلبات. ويتوقع، وفق تقديره، أن يتزايد الإقبال أكثر مع تطبيق برنامج التزويد الجديد في المناطق التي أصبحت تحصل على المياه يومين أو ثلاثة أيام فقط في الأسبوع.
الشركة: انخفاض الوارد من المصادر المائية
في المقابل، يعزو مدير الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في دمشق وريفها، أحمد درويش، التراجع الحالي في ساعات التزويد إلى انخفاض كميات المياه الواردة من المصادر الرئيسية.
وقال درويش إن الهطولات المطرية خلال الموسم الحالي كانت أفضل من عام 2025، ووصف الموسم بأنه جيد جداً، موضحاً أنها ساعدت على تحسين وضع الحوض السطحي، لكنها لم تعالج كامل العجز المائي.
وبحسب درويش، فإن محدودية الهطولات الثلجية خلال الموسم الحالي تمثل أحد أسباب عدم اكتمال التعويض، إذ يوفر ذوبان الثلوج البطيء تغذية أكثر استدامة لحوض النبع مقارنة بالأمطار، بينما تحتاج الأحواض الجوفية إلى عدة سنوات من المواسم الممطرة حتى تستعيد مستوياتها.
وقال إن الوضع المائي في الوقت الحالي مستقر في معظم مناطق دمشق، لكن انخفاض مناسيب المصادر المائية خلال هذه الفترة من العام أدى إلى تراجع الكميات الواردة، ما تسبب بعجز في ساعات التزويد لمدينة دمشق وريفها المحيط المستفيد من شبكتها.
تأهيل الآبار وصيانة الشبكات
وأوضح درويش أن الشركة تعمل على مجموعة من الإجراءات لتقليل أثر النقص، بينها إعادة تأهيل أكبر عدد ممكن من الآبار والمصادر المائية وإدخالها إلى الخدمة لتعويض جزء من الكميات المفقودة.
وتشمل الإجراءات أيضاً صيانة المضخات وشبكات نقل وتوزيع المياه، بهدف تحسين كفاءة الشبكة والاستفادة من الموارد المتاحة.
وحول اختلاف ساعات التقنين بين مناطق دمشق وريفها، أوضح درويش أن تحديد برنامج التزويد يرتبط بعدة عوامل، منها الموقع الجغرافي والتضاريس، والسعة التخزينية للخزانات الرئيسية، ونسبة تعويض هذه الخزانات، إضافة إلى أقطار خطوط الضخ.
وأشار إلى أن هذه العوامل تحدد المدة المطلوبة لضمان وصول المياه إلى أبعد نقطة ضمن الشبكة.
وبيّن أن المناطق المرتفعة في دمشق تعتمد على الضخ لإيصال المياه، ولذلك تحتاج إلى ساعات تزويد أطول حتى تصل المياه إلى نهايات الشبكة.
أما المناطق التي شملها تعديل برنامج التزويد مؤخراً، فأوضح أنها من المناطق التي تحصل على المياه عبر نظام الإسالة، وهو ما يفسر اختلاف برنامج التزويد بين منطقة وأخرى.
وبين انخفاض كميات المياه من المصادر الرئيسية، وضعف الضخ في بعض الأبنية، وانقطاع الكهرباء وارتفاع أسعار الصهاريج، يجد سكان دمشق أنفسهم أمام أكثر من عامل يحد من قدرتهم على تأمين احتياجاتهم المائية، في وقت تراهن فيه الشركة على إعادة تأهيل الآبار والمصادر وصيانة شبكات الضخ والتوزيع للتخفيف من النقص.
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز