بين الأصلي والمقلد.. أزمة الثقة في الأسواق السورية تتجاوز السعر إلى غياب الرقابة

لم يعد شراء العلامة التجارية الأصلية في الأسواق السورية مجرد خيار استهلاكي، بل أصبح بالنسبة لكثيرين محاولة للهروب من سوق يزداد فيه الغموض حول جودة السلع ومصدرها. وبين ارتفاع أسعار المنتجات الأصلية وانتشار البدائل المقلدة، يجد المستهلك نفسه أمام معادلة معقدة، يدفع فيها ثمن السلعة وثمن القلق في آن واحد.

ومع اتساع سوق التقليد، تتراجع قدرة المستهلك على التمييز بين المنتج الأصلي والمزيف، في وقت لا تزال فيه الرقابة على الأسواق موضع تساؤل، رغم الحديث الرسمي عن حماية الملكية الصناعية وتشجيع تسجيل العلامات التجارية.

الجودة أم وهم السعر؟

تنقسم آراء المستهلكين بين من يرى أن الماركة الأصلية استثمار طويل الأجل يوفر الجودة والضمان، وبين من يعتبر أن السعر المرتفع لم يعد معياراً موثوقاً للحكم على المنتج.

فشريحة من المستهلكين تؤكد أن الأجهزة الكهربائية وقطع السيارات والإلكترونيات تكشف سريعاً الفارق بين الأصلي والمقلد، حيث تنعكس الجودة على الأداء والعمر التشغيلي ومستويات الأمان.

في المقابل، يروي آخرون تجارب مع منتجات أصلية تعطلت خلال فترة الضمان أو فقدت جودتها سريعاً، ما عزز قناعتهم بأن السعر وحده لم يعد مؤشراً كافياً على الجودة.

سوق يربك المستهلك

لا تتوقف المشكلة عند ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى صعوبة التحقق من أصالة المنتج، بعدما باتت بعض السلع المقلدة تحاكي المنتجات الأصلية بدرجة تجعل اكتشافها مهمة معقدة حتى بالنسبة للمستهلكين ذوي الخبرة.

هذا الواقع يدفع كثيرين إلى الاعتماد على سمعة المتجر أو الضمان أو مصدر الشراء أكثر من اعتمادهم على شكل السلعة نفسها، في ظل اتساع مساحة الغش التجاري.

الاستهلاك بين الحاجة والاستعراض

يرى الباحث الاجتماعي آصف جنيدي أن العلامات التجارية لم تعد مرتبطة بالجودة فقط، بل أصبحت تحمل أبعاداً نفسية واجتماعية، حيث يلجأ كثير من المستهلكين إلى ربط السعر المرتفع بالجودة بصورة تلقائية، حتى قبل تجربة المنتج.

ويشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً كبيراً في ترسيخ هذا السلوك، بعدما ربطت بين العلامات التجارية والنجاح والمكانة الاجتماعية، الأمر الذي دفع كثيراً من الشباب إلى بناء صورة استهلاكية تتجاوز احتياجاتهم الفعلية.

وفي المقابل، بدأت تظهر شريحة جديدة من المستهلكين تبحث عن الجودة بعيداً عن الاستعراض، وتركز على القيمة الحقيقية للمنتج لا على شعاره التجاري.

الثقة… الحلقة الأضعف

ورغم تسجيل ارتفاع في طلبات تسجيل العلامات التجارية محلياً، فإن استعادة ثقة المستهلك لا ترتبط بالأوراق القانونية وحدها، بل بوجود سوق أكثر شفافية، وآليات رقابة فعالة، وقدرة حقيقية على مكافحة الغش التجاري.

فالمستهلك السوري لا يبحث فقط عن منتج أصلي، بل عن بيئة تجارية تمنحه الثقة بأن ما يدفع ثمنه يعادل فعلاً ما يحصل عليه.

الوعي قبل الماركة

يرى مختصون أن مواجهة انتشار المنتجات المقلدة لا تعتمد فقط على تشديد الرقابة، بل تحتاج أيضاً إلى رفع مستوى الوعي الاستهلاكي، عبر تعريف المستهلك بطرق التحقق من أصالة المنتجات، وتشجيع استخدام تقنيات التتبع الرقمي، وتعزيز ثقافة الشراء المبني على الجودة والحاجة الفعلية، لا على السعر أو الصورة الذهنية.

وفي ظل سوق يعيش تحولات متسارعة، تبقى الثقة هي السلعة الأكثر ندرة، بينما يتحول المستهلك إلى الطرف الأكثر تحملاً لكلفة الفوضى، بين أسعار مرتفعة، وسلع يصعب التحقق من جودتها، وسوق لا تزال بحاجة إلى قواعد أكثر صرامة لحماية المنافسة وحقوق المشترين.

 

اقرأ ايضاً: في الأسواق السورية… السعر يطرد الجودة والقدرة الشرائية ترسم خيارات المستهلك

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.