موسم القمح في ريف حماة: منصة رقمية تُثقل الحصاد وتدفع الفلاحين نحو الخسارة

في ريف حماة، لا يبدو موسم القمح هذا العام امتداداً طبيعياً لدورة زراعية مأمولة، بل حلقة جديدة من اختناق متدرج يطاول الفلاح في لحظة الذروة. فبين أرض أنهكها الإنتاج، ومنصة إلكترونية تتعثر في أبسط شروط الوصول، تتشكل معادلة قاسية تجعل من الحصاد بداية أزمة لا نهايتها.

منصة التسويق: تقنية تعيد إنتاج العجز

تحولت آلية “حجز الدور” عبر المنصة الإلكترونية إلى عقدة مركزية في موسم القمح، إذ يشكو مزارعون من ضعف البنية الرقمية وانقطاع الإنترنت، ما يجعل الوصول إلى النظام شبه مستحيل في مناطق واسعة من الريف.

ويقول مزارعون إن ساعات الانتظار أمام شاشة لا تستجيب باتت جزءاً من يوم الحصاد، بينما يتراكم القلق من ضياع المواعيد وما يرافقه من كلف إضافية في النقل والتخزين، في وقت لا يمتلك فيه معظمهم بدائل عملية لتصريف المحصول.

في كفرزيتا ومحيطها، يصف أحد المزارعين المنصة بأنها “القشة التي قصمت ظهر الموسم”، بعدما تحولت الإجراءات الرقمية إلى عبء مالي يضاف إلى كلفة الإنتاج المرتفعة أصلاً.

كلفة الانتظار: حين يتحول الوقت إلى خسارة

لا تقف الأزمة عند حدود التقنية، بل تمتد إلى سلسلة طويلة من التكاليف المتراكمة. فالتأخير في الحصول على موعد التسليم يعني بقاء الجرارات والشاحنات في حالة انتظار قد تمتد لأيام، ما يرفع كلفة النقل إلى مستويات تفوق قدرة المزارعين على الاحتمال.

ويشير عاملون في القطاع الزراعي إلى أن كلفة نقل الطن الواحد تتضاعف بفعل هذا الانتظار، ما يدفع بعض الفلاحين إلى تفريغ محصولهم على الأرض لتجنب مزيد من النفقات، في مشهد يعكس هشاشة البنية اللوجستية المحيطة بالموسم الزراعي.

غياب التخزين: المحصول في مواجهة العراء

تتفاقم الأزمة مع غياب شبه كامل لمراكز التخزين المؤقت، ما يضع المزارعين أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما تحمل تكاليف التعبئة والتخزين الخاصة، أو ترك المحصول عرضة للعوامل الطبيعية والسرقة والحرائق.

وفي ظل هذا الفراغ، يصبح القمح المخزون مؤقتاً في الحقول مشروع خسارة مفتوحة، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة واتساع رقعة الأعشاب الجافة التي تزيد من احتمالات الحرائق، في وقت سُجلت فيه بالفعل خسائر محدودة في بعض المناطق.

السوق يفرض منطقه: البيع بخسارة كخيار أخير

أمام هذا الضغط المركب، يتجه عدد من المزارعين إلى بيع محاصيلهم للتجار بأسعار أدنى من التسعيرة الرسمية، في محاولة لتقليل الخسائر وتجنب تكاليف الانتظار والتخزين والنقل.

هذا المسار لا يعكس فقط خللاً في التسعير، بل يكشف أيضاً عن اختلال أعمق في منظومة التسويق الزراعي، حيث يصبح الفلاح في موقع تفاوضي ضعيف أمام منظومة معقدة من الإجراءات والقيود.

بين الوعود الإدارية وواقع الحقول

رغم تأكيدات الجهات المعنية استمرار عمليات الاستلام واعتماد آليات “مرنة” لتخفيف الضغط، إلا أن الفجوة بين القرار والتطبيق تبقى واضحة على الأرض، حيث لا تزال البنية التحتية الرقمية واللوجستية عاجزة عن مواكبة حجم الموسم.

وفي المحصلة، يبدو موسم القمح في ريف حماة أقرب إلى اختبار قاسٍ لمنظومة الإنتاج بأكملها، حيث لا يُقاس الفشل فقط بما يُحصد من غلة، بل بما يُهدر من تعب، وما يُفقد من قدرة الفلاح على الاستمرار في دورة زراعية تتآكل من أطرافها عاماً بعد آخر.

 

اقرأ أيضاً: حماة تستعد لاستلام 88 ألف طن من القمح في موسم الحصاد الحالي

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.