مذكرة التفاهم السورية الروسية: إعادة رسم النفوذ في حميميم وطرطوس ومستقبل السيادة الوطنية

تشكل مذكرة التفاهم السورية الروسية (المعلنة في 9 آب/ أغسطس 2026) تحولاً استراتيجياً يتجاوز ترتيبات السيطرة على قاعدة حميميم العسكرية ومرفأ طرطوس؛ إذ تعيد رسم قواعد العلاقة بين دمشق وموسكو، وتنقلها من مرحلة “الحماية العسكرية” إلى إطار “الشراكة المضبوطة”.

تأتي هذه الخطوة في ظل تحولات الجغرافيا السياسية بالشرق الأوسط للتوفيق بين رغبة السلطات السورية في استعادة مظاهر السيادة الوطنية، وبين حرص روسيا على حماية موقعها الجيواستراتيجي في شرق المتوسط.

حميميم وطرطوس: أبعاد الموقع الجيواستراتيجي لروسيا وسوريا

تحتل سوريا موقعاً محورياً يربط الأناضول بالخليج العربي والداخل الآسيوي بالموانئ البحرية، ما جعل ساحلها ساحة تنافس تاريخية بين القوى البرية والبحرية:

  • الأهمية بالنسبة لموسكو: تشكل قاعدة حميميم الجوية نقطة ربط حيوية لروسيا بين العمق الأوراسي وشرق المتوسط وأفريقيا، بينما يمنحها مرفأ طرطوس موضع ارتكاز بحري دائم خارج المضائق التركية.

  • الأهمية بالنسبة لدمشق: يمثل الساحل شرياناً اقتصادياً حيوياً، وتتحول إعادة إدارة مطار اللاذقية الدولي ورصيف المرفأ إلى خطوة نحو تنشيط حركة التجارة والتحصيل الجمركي وجذب الاستثمارات.

التحول من القواعد المستقلة إلى المراكز العسكرية المشتركة

تنهي الاتفاقيات الجديدة الصيغة القديمة المتمثلة في المعاهدات طويلة الأمد (اتفاقية 2015 وبروتوكول 2017) التي منحت موسكو صلاحيات واسعة لحساب نموذج جديد:

  • المراكز المشتركة: إعادة تعريف القواعد العسكرية وتحويلها إلى مراكز تدريب وإدارة مشتركة تخضع للإشراف السوري.

  • إعادة توزيع السلطة: تسلم الجانب السوري إدارة المطار المدني والرصيف التجاري الرابع، مع احتفاظ موسكو بحضور عسكري وظيفي يُتيح لها مواصلة التنسيق والتدريب.

التكامل الاقتصادي: المرفأ وشراكة موانئ دبي العالمية

يرتبط استلام الرصيف التجاري الرابع برؤية شاملة لإعادة بناء الاقتصاد السوري وتطوير البنية التحتية:

  • عقد الامتياز: يأتي تنظيم الوجود العسكري متزامناً مع عقد امتياز تشغيل وتطوير مرفأ طرطوس المبرم مع شركة موانئ دبي العالمية (بقيمة 800 مليون دولار ولمدة 30 عاماً).

  • تلقائية الإدارة: تفرض هذه المشاريع الاستثمارية تطبيق قانون اقتصادي موحد يضمن حماية الاستثمارات وتوحيد الرسوم الجمركية، ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة المرافق الحيوية.

سوريا بين خرائط التنافس الإقليمي والدولي

تتأثر ترتيبات المذكرة السورية الروسية بتوازنات القوى المجاورة والدولية:

  • تركيا: تتابع التحولات من موقعها كقوة إقليمية ترغب في حماية حدودها وتوسيع ممرات التجارة.

  • إسرائيل والولايات المتحدة: تركزان على طبيعة الوجود العسكري وحجم القدرات التسليحية ومنع التهديدات الجوية والبحرية.

  • الدبلوماسية السورية: تسعى دمشق لتحويل التنافس الإقليمي والدولي إلى هامش مناورة يمنع احتكار أي طرف خارجي للقرار الوطني، ويرتكز على تنويع الشراكات الاقتصادية والأمنية.

مفهوم السيادة وظيفياً: من يملك مفتاح استخدام المنشآت؟

تطرح المذكرة مفهوم “السيادة متعددة المستويات” التي تتوزع فيها الحقوق بحسب الوظيفة والظرف التشغيلي:

  1. إدارة مدنية وسورية: تتولى الشؤون المرفئية والملاحية والتجارية.

  2. حضور عسكري مشترك: يركز على التدريب وتبادل الخبرات بين الجيشين السوري والروسي.

  3. التشغيل الاستثماري: يخضع للعقود التجارية المبرمة مع الشركاء الدوليين.

ويتوقف الاختبار الحقيقي لاستعادة السيادة على احتكار المؤسسات الرسمية في دمشق لقرار الاستخدام والتحكم بآلية انتقال المنشآت من الاستخدام المدني إلى الأغراض العسكرية خلال الأزمات.

الخلاصة

تُمثل المذكرة السورية الروسية لعام 2026 خطوة انتقال نحو تنظيم الوجود الأجنبي عبر العقود الشفافة والتفاهمات المتبادلة. ويُقاس نجاح هذا المسار بقدرته على دعم الاقتصاد المحلي، وتوحيد القوانين الإدارية، وتعزيز استقلالية القرار الوطني بما يخدم تطلعات المجتمع والاستقرار الدائم.

إقرأ أيضاً: من القواعد إلى «مراكز التدريب».. ماذا بقي لروسيا في الساحل السوري؟

إقرأ أيضاً: تسلّم الرصيف الرابع في مرفأ طرطوس.. مكاسب محتملة للاقتصاد أم فرصة مهدورة؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.