زيارة الشرع إلى واشنطن.. هل تُطرح على دمشق مقايضة لبنان مقابل رفع العزلة؟
في لحظة سياسية شديدة الحساسية، عادت التكهنات لتتصدر المشهد حول احتمال زيارة الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة، وسط حديث متزايد عن رؤية أمريكية جديدة لمستقبل سوريا ودورها الإقليمي. وبينما نفت مصادر رسمية سورية وجود أي إعلان بشأن الزيارة، فإن النقاش تجاوز مسألة الموعد ليصل إلى جوهر ما قد تحمله المرحلة المقبلة من ضغوط وتفاهمات ومقايضات سياسية.
واشنطن تعيد رسم خرائط النفوذ
خلال الأشهر الماضية، بدت السياسة الأمريكية تجاه سوريا وكأنها تنتقل من إدارة الأزمة إلى محاولة إعادة هندسة التوازنات الإقليمية المرتبطة بها. فبعد تخفيف بعض القيود الاقتصادية وفتح الباب أمام مسارات سياسية جديدة، تتحدث أوساط دبلوماسية عن مقاربة أمريكية أوسع تتجاوز الداخل السوري لتشمل ملفات لبنان وكيان الاحتلال والأمن الإقليمي.
وتشير تسريبات متداولة إلى أن واشنطن تدرس حزمة تفاهمات قد تتضمن خطوات إضافية لرفع العزلة السياسية والاقتصادية عن دمشق، مقابل أدوار سورية أكثر فاعلية في ملفات تعتبرها الولايات المتحدة أولوية، وفي مقدمتها ملف سلاح حزب الله ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.
معضلة لبنان.. بين الرغبة الأمريكية والقدرة السورية
ورغم تداول فرضية قيام دمشق بدور مباشر في الملف اللبناني، فإن هذا الطرح يصطدم بجملة من الوقائع السياسية والعسكرية. فالحكومة السورية تؤكد باستمرار رفضها لأي تدخل عسكري خارج حدودها، كما أن المشهد الداخلي السوري لا يزال بعيدًا عن حالة الاستقرار التي تسمح بخوض مغامرات إقليمية معقدة.
الأهم من ذلك أن الدولة السورية ما تزال تواجه تحديات كبيرة تتعلق بإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية، واستكمال بسط سلطتها على كامل الجغرافيا السورية. لذلك يبدو الحديث عن أدوار عسكرية خارجية سابقًا لأوانه، في وقت لا تزال فيه أولويات الداخل تضغط بقوة على صانع القرار في دمشق.
السلام مع “إسرائيل”.. العقدة الأصعب
بالتوازي مع الملف اللبناني، تتصدر مسألة العلاقة مع “إسرائيل” واجهة النقاشات غير المعلنة. فالتسريبات المتداولة تشير إلى وجود تباين واسع بين الرؤيتين السورية و”الإسرائيلية” بشأن أي اتفاق محتمل.
دمشق تتمسك بالعودة إلى ترتيبات اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 مع إمكانية إدخال تعديلات محدودة، بينما يسعى الاحتلال إلى تثبيت وقائع جديدة فرضتها التطورات العسكرية الأخيرة، تشمل الاحتفاظ بمواقع استراتيجية وتعزيز نفوذها الأمني في الجنوب السوري.
وفي ظل هذا التباعد، تبدو فكرة “الحل الوسط” التي يُقال إن الإدارة الأمريكية تسعى إليها أكثر تعقيدًا مما توحي به التصريحات السياسية، خاصة أن أي تسوية لا تراعي حساسيات السيادة والحدود ستواجه تحديات داخلية وإقليمية كبيرة.
سوريا بين الضغوط والخيارات المحدودة
المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في طبيعة العروض المطروحة، بل في هامش المناورة المتاح لدمشق. فالحكومة السورية تواجه واقعًا اقتصاديًا هشًا، وتحديات أمنية مستمرة، وضغوطًا خارجية متشابكة تجعل من الصعب اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى دون حسابات معقدة.
لهذا يرى مراقبون أن أي زيارة محتملة إلى واشنطن، إن تمت بالفعل، لن تكون محطة حاسمة بقدر ما ستكون حلقة جديدة في مسار تفاوضي طويل. فالقضايا المطروحة تتجاوز مجرد رفع عقوبات أو توقيع تفاهمات سياسية، وتمس شكل التوازنات الإقليمية ومستقبل الدور السوري في منطقة ما تزال تعيش على إيقاع الأزمات.
وفي ظل غياب مؤشرات واضحة على وجود اختراقات حقيقية، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة؛ بين وعود أمريكية بإعادة دمج سوريا في الإقليم، ومخاوف متزايدة من أن تتحول تلك الوعود إلى سلسلة جديدة من الشروط والاستحقاقات التي يصعب على دمشق تلبيتها في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها.
اقرأ أيضاً: إلغاء “قانون محاسبة سوريا” يقترب من الكونغرس.. هل تدخل العقوبات الأمريكية مرحلة النهاية؟