تعديلات قرار الشحن في سوريا.. مرونة متأخرة لتخفيف أعباء التجارة وسط اختناقات النقل

بعد ستة أشهر من دخول القرار رقم (31) الناظم لحركة الشحن والنقل عبر المنافذ البرية والمرافئ البحرية حيّز التنفيذ، اضطرت الحكومة السورية الانتقالية إلى إعادة ضبط آلية تطبيقه، عبر توسيع قائمة السلع المستثناة من إجراءات المناقلة بين الشاحنات السورية والأجنبية، في محاولة لاحتواء آثار ظهرت سريعاً على كلفة الاستيراد وحركة الأسواق.

فالقرار الذي رُفع تحت عنوان تنظيم قطاع النقل وحماية الناقل الوطني، اصطدم عند التطبيق بتعقيدات الواقع التجاري، حيث تحولت عمليات تفريغ البضائع وإعادة تحميلها داخل الساحات الجمركية إلى حلقة إضافية في سلسلة طويلة من الأعباء التي تواجه المستوردين والصناعيين، في اقتصاد يعاني أساساً من ارتفاع التكاليف وضعف القدرة الإنتاجية.

وشملت الاستثناءات الجديدة المواد الكيماوية، وألواح الطاقة الشمسية، والبطاريات، وقطع التبديل، وألواح الغرانيت والزجاج، والمرمر والرخام، وآلات وأجزاء المعامل، ورولات الورق والمحارم، وهي مواد ترتبط بشكل مباشر بالإنتاج والطاقة والصناعة.

قرار التنظيم يصطدم بتعقيدات السوق

صدر القرار رقم (31) في شباط 2026 بهدف إعادة تنظيم حركة الشحن عبر المنافذ الحدودية والمرافئ، ونص على عدم السماح للشاحنات الأجنبية بالدخول إلى الأراضي السورية إلا بعد إجراء مناقلة للبضائع إلى شاحنات سورية داخل الساحات الجمركية، باستثناء شاحنات الترانزيت.

وبررت الجهات المعنية القرار بالحاجة إلى دعم قطاع النقل السوري وتعزيز دور الناقل المحلي، إلا أن التطبيق كشف عن إشكاليات مرتبطة بارتفاع زمن وصول البضائع، وزيادة تكاليف الشحن، واحتمالات تلف بعض المواد أثناء عمليات التفريغ وإعادة التحميل.

ويرى مختصون أن تعديل القرار يعكس محاولة حكومية للانتقال من التطبيق الصارم إلى مقاربة أكثر مرونة، بعد أن أظهرت التجربة أن حماية قطاع النقل لا يمكن أن تتم على حساب حركة التجارة والإنتاج.

الصناعة والأسواق تدفع ثمن الإجراءات

يؤكد الباحث الاقتصادي باسل كويفي أن الاستثناءات الجديدة جاءت استجابة لضغوط عملية فرضها الواقع، بعدما تسببت المناقلة بزيادة تكاليف توريد المواد الحساسة، وتأخير وصول المعدات ومدخلات الإنتاج.

ويشير إلى أن نجاح التعديل يرتبط بقدرة الحكومة السورية الانتقالية على تحقيق توازن بين حماية الأسطول الوطني وتسهيل حركة البضائع، محذراً من أن التوسع غير المنضبط في الاستثناءات قد يفقد القرار هدفه الأساسي، ما لم يترافق مع خطة حقيقية لتحديث قطاع النقل السوري المتراجع.

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي أحمد الزيات أن المشكلة لا تكمن في جنسية الشاحنة بقدر ما ترتبط بكفاءة الإجراءات، معتبراً أن إلزام التاجر بتفريغ البضاعة وإعادة تحميلها يضيف أعباء لا ضرورة لها، خصوصاً في ظل حاجة السوق إلى سرعة وصول المواد الأولية.

خطوة تخفيف لا تعالج أصل الأزمة

ويؤكد النائب السابق لرئيس غرفة تجارة دمشق محمد الحلاق أن عمليات المناقلة رفعت تكاليف عدد من السلع بما يتراوح بين 300 و700 دولار، نتيجة أجور النقل الإضافية ومخاطر التلف والهدر، مشيراً إلى أن تخفيف هذه الإجراءات قد ينعكس على الأسعار، لكن ذلك يبقى مرتبطاً بعوامل أخرى مثل سعر الصرف وضعف المنافسة.

ورغم أهمية التعديلات الأخيرة، فإنها تكشف مشكلة أعمق تتمثل في هشاشة البنية اللوجستية السورية، وغياب رؤية متكاملة لإدارة قطاع النقل والتجارة بعد سنوات من التراجع.

فالاقتصاد لا يحتاج فقط إلى قرارات استثنائية لمعالجة آثار القرارات السابقة، بل إلى منظومة مستقرة تجعل حركة البضائع أكثر سهولة، وتمنح المستثمرين والتجار وضوحاً في القواعد الناظمة للعمل.

وبينما تحاول الحكومة السورية الانتقالية تخفيف آثار قرار أثقل كاهل التجارة، يبقى التحدي الحقيقي في الانتقال من سياسة معالجة الاختناقات بعد وقوعها إلى بناء قطاع نقل حديث قادر على دعم الإنتاج وتحويل الموقع الجغرافي لسوريا من عبء معطل إلى فرصة اقتصادية حقيقية.

 

اقرأ أيضاً: شريان النقل يخنق الأسواق السورية: كلفة الشحن تعيد رسم خريطة الأسعار وتعمق الركود

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.