دريد لحام: لم أكن أعلم بما يحدث في صيدنايا.. وحافظ الأسد تابع أعمالي
أعاد الفنان السوري القدير دريد لحام فتح أبواب الذاكرة على مصراعيها في حوار اتسم بالصراحة والمكاشفة مع بودكاست “الشرق”، مستعرضاً محطات سياسية وثقافية شائكة واكبت مسيرته الفنية الممتدة لأكثر من ستة عقود، حيث تطرق الفنان المخضرم إلى ملفات بالغة الحساسية مثل سجن صيدنايا، وعلاقة الفن بالأنظمة، ومفهوم الديمقراطية والحرية والمسؤولية، وصولاً إلى الانقلابات العسكرية وتأثيرها على البنية السياسية في البلاد.
لغز سجن صيدنايا والبيئات الأمنية المغلقة
أبرز المحاور الحوارية وأكثرها إثارة للجدل كان الحديث المتعلق بسجن صيدنايا، حيث نفى لحّام بشكل قاطع امتلاكه أي معرفة أو معلومات عما كان يدور خلف أسوار السجن خلال العقود الماضية، معتبراً أن طبيعة المؤسسات الأمنية والسرية المحيطة بها تجعل الوصول إلى الحقائق أمراً معقداً وبالغ الصعوبة
وأشار إلى أن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يركز على معرفة الأشخاص أو جهلهم بما حدث، بقدر ما يجب أن ينصب على طبيعة هذه البيئات المغلقة التي تحجب الحقائق عن المجتمع، متسائلاً باستنكار عن الكيفية التي يمكن بها لشخص عادي أو فنان الاطلاع على تفاصيل غامضة تحدث داخل أماكن محاطة بأسوار من السرية التامة.
الفن بوصفه صوتاً للمجتمع وأقوى من الخطاب السياسي
وفي معرض استعراضه لتاريخه الفني، أكد لحّام أن الجمهور السوري والعربي كان يرى في الفنان مساحة حرة للتعبير عن قضايا ومخاوف لا يستطيع الكثيرون طرحها علناً، مشدداً على أن المسرح بالنسبة إليه لم يكن مجرد أداة للترفيه والتسلية، بل منبراً حياً لطرح الأسئلة الصعبة وكشف التناقضات المجتمعية والسياسية، وهو ما منح أعماله ارتباطاً وثيقاً بنبض الشارع عبر الأجيال.
ويرى صاحب المسرحية الشهيرة “كاسك يا وطن” أن الفنون تمتلك قدرة استثنائية على تمرير الرسائل السياسية والاجتماعية بقوة تتجاوز الخطاب المباشر، مبرراً ذلك بأن الفكرة عندما تُقدّم للناس من خلال حكاية وشخصيات وتجارب إنسانية ملموسة تصبح أقرب إلى وجدان المتلقي وأكثر ثباتاً في الذاكرة الجماعية، واستشهد بنجاح أعماله الأيقونية مثل “غربة” و”ضيعة تشرين” و”كاسك يا وطن”، معيداً هذا النجاح الجماهيري إلى قدرة تلك الأعمال على مخاطبة هموم الإنسان البسيط واليومي قبل أن توجه رسائلها إلى المثقف أو صاحب السلطة.
جدلية “التنفيس” وعلاقته بالرئيس حافظ الأسد
توقف الفنان السوري عند السجال النقدي والسياسي الذي طال أعماله لسنوات طويلة، وتحديداً الاتهامات التي اعتبرت مسرحه السياسي مجرد صمام أمان أو “تنفيس” مسموح به من قِبل السلطة، حيث رفض لحّام هذا التوصيف تماماً، مؤكداً أن الجمهور لم يكن يبحث عن مخرجات مؤقتة للإحباط بل عن مرآة حقيقية تعكس تطلعاته وقضاياه المصيرية، كما شدد على أن المبدع الحقيقي لا ينتظر منحة أو هبة للحرية من أحد، بل يعمل على توسيع هوامشها بجرأته وإيمانه بالرسالة التي يقدمها.
وفي هذا السياق، تطرق لحّام إلى طبيعة علاقته بالرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، مشيراً إلى أنه كان يتابع أعماله المسرحية بشغف، ومستحضراً مقولته الشهيرة التي كان يرددها دائماً: “لا رقابة على الفكر سوى رقابة الضمير”، حيث اعتبر لحام أن صناع الفن في تلك المرحلة كانوا يعملون انطلاقاً من قناعة وطنية راسخة ومسؤولية كبرى تجاه البلاد والجمهور.
حنين إلى العهد المدني وتحولات الانقلابات العسكرية
وعند الانتقال إلى المحطات السياسية، عبّر لحّام عن حنينه الجارف للأجواء الديمقراطية والحياة المدنية الحيوية التي عاشتها سوريا قبل عهد الانقلابات العسكرية، متوقفاً بخصوصية عند فترة حكم الرئيس شكري القوتلي التي وصفها بمرحلة الزخم السياسي والانتخابي، حيث رسم صورة لمدينة دمشق في مواسم الانتخابات البرلمانية حين كانت الشوارع تضج بصور المرشحين والندوات الفكرية والنقاشات التفاعلية في مشهد يجسد المشاركة الشعبية الحقيقية والإيمان بدور المؤسسات الدستورية المنتخبة.
وربط الفنان القدير بداية تراجع وتدهور الحياة الديمقراطية في البلاد بسلسلة الانقلابات العسكرية التي انطلقت شرارتها الأولى في عام 1949، مؤكداً أنها أدخلت سوريا في نفق مغاير أنهى بالتدريج الحيوية المدنية التي ميزت سنوات ما بعد الاستقلال، كما عرج على تجربة الوحدة بين سوريا ومصر، معلناً تأييده المطلق لفكرة الوحدة العربية من حيث المبدأ، لكنه انتقد في الوقت نفسه بعض السياسات الاقتصادية والقرارات التي رافقتها، ولا سيما سياسة التأميم الواسع التي تركت برأيه آثاراً سلبية عميقة وطويلة الأمد على هيكلية الاقتصاد السوري.
الحرية المشروطة بالمسؤولية الوطنية
وفي ختام مكاشفته، عاد لحّام ليركز على القضية الجوهرية التي شكلت عموداً فقرياً لمعظم نتاجه الفني وهي “الحرية”، مؤكداً أنها قيمة إنسانية أساسية لا يمكن تحت أي ظرف الاستغناء عنها أو التنازل عن مكتسباتها، مستدركاً بأنها يجب أن تظل متلازمة ومقترنة بالمسؤولية الأخلاقية والوطنية واحترام حقوق الآخرين، ليلخص بذلك رؤية فنان عاصر التحولات الكبرى في تاريخ سوريا الحديث وساهم في صياغة وجدانها الثقافي.
اقرأ أيضاً:غموض يلف انسحاب بسام كوسا من حفل جوي أووردز وعلاقته ببيسان إسماعيل
اقرأ أيضاً:رشيد عساف يجسد سيرة الإمام البخاري في أضخم إنتاجات قبنض للموسم المقبل