هل حققت سوريا الاكتفاء الذاتي من القمح هذا العام حقاً؟

تداولت وسائل إعلام رسمية وتقارير إخبارية مؤخراً تصريحات تؤكد تحقيق سوريا الاكتفاء الذاتي من محصول القمح، مشيرة إلى أن إنتاج هذا الموسم وصل إلى نحو 2.7 مليون طن، وأن البلاد حققت هذا الإنجاز لأول مرة منذ عام 2010.

لكن بمقارنة هذه التصريحات مع البيانات الصادرة عن المنظمات الدولية والمؤسسات الرسمية ذاتها، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى دقة هذه الأرقام، وحقيقة الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك المحلي.

بالأرقام: كم يحتاج السوق السوري من القمح سنوياً؟

لتحديد ما إذا كانت سوريا قد حققت “الاكتفاء الذاتي” (والذي يعني عملياً الاستغناء الكامل عن الاستيراد)، يجب النظر إلى إجمالي الاستهلاك السنوي للبلاد:

  • حجم الاستهلاك السنوي: تؤكد بيانات منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، ووزارة الزراعة الأمريكية (USDA)، بالإضافة إلى تصريحات مسؤولي وزارة الزراعة السورية، أن حاجة سوريا السنوية من القمح تتراوح بين 4 إلى 4.1 مليون طن.

  • توزيع الاستهلاك السنوي (وفق تقديرات USDA):

    • 3.5 مليون طن: مخصصة للغذاء (إنتاج الخبز)، البذار للمواسم القادمة، والصناعات الغذائية (FSI).

    • 600 ألف طن: مخصصة للأعلاف.

حقيقة الفجوة الإنتاجية

عند استهلاك 4 ملايين طن وإنتاج 2.7 مليون طن، فإن سوريا لا تزال تواجه عجزاً يُقدر بنحو 1.3 مليون طن. وبناءً على ذلك، فإن القول بتحقيق “الاكتفاء الذاتي الشامل” لا يتطابق مع الإحصاءات الفعلية للاحتياج المحلي.

قد يُعزى وصف “الاكتفاء الذاتي” إلى تغطية الاحتياج المخصص لإنتاج الخبز التمويني فقط (والذي يتراوح بين 2.3 و2.5 مليون طن)، دون احتساب حصص البذار والصناعة والأعلاف.

التضارب في بيانات إنتاج القمح الأعوام الماضية

شهدت الأرقام الرسمية والتصريحات الخاصة بإنتاج الأعوام السابقة تفاوتاً ملحوظاً يعكس صعوبة حصر البيانات الدقيقة:

  1. موسم 2025: نقلت الجزيرة عن المدير العام لمديرية دعم الإنتاج الزراعي في وزارة الزراعة السورية، الدكتور محمد صيلين أن “إنتاج القمح انخفض بصورة حادة هذا العام (2025) نتيجة تراجع الأمطار وارتفاع درجات الحرارة واستمرار موجات الجفاف، حيث تقدّر الوزارة حجم الخسائر بنحو 40% خلال موسم 2025، وهو ما خفض الإنتاج المحلي إلى قرابة 1.2 مليون طن مقابل حاجة سنوية تقارب 4 ملايين طن”.

  2. موسم 2025: نقلت رويترز عن مدير الشؤون الزراعية وحماية النبات في وزارة الزراعة أحمد جلال الأحمد قوله: “قدر حجم محصول القمح لهذا العام يتراوح بين 2.3 و2.5 مليون طن مقارنة بإنتاج بلغ نحو 900 ألف طن العام الماضي”، و”قد نبقى بحاجة إلى الاستيراد خلال هذه المرحلة، إذ يتطلب الاستهلاك المحلي نحو 4 ملايين طن سنويا”.
    مع تصريح الأحمد يتأكد أن حاجة سوريا السنوية من القمح هي 4 مليون طن، ما يعني أن سوريا لا زالت بحاجة مليون و300 ألف طن لتحقق الاكتفاء فعلاً.
    ومع تصريح الأحمد تبرز مشكلة وهي التفاوت في الأرقام، إنتاج العام الماضي في التصريح الأول كان 1.2 مليون طن، في حين في تصريح الأحمد 900 ألف طن، وفيما بعد قالت قناة الإخبارية السورية في تقرير لها إن الإنتاج كان حوالي 612 ألف طن خلال عام 2025.

متى كانت سوريا مُصدّراً صافياً للقمح؟

تخالف الأرقام التاريخية الادعاء بأن 2010 كانت آخر سنوات الاكتفاء:

  • 2005 – 2006: كانت 2006 آخر سنة ودعت فيها سوريا موقعها كـ “مُصدّر صافٍ للقمح”. في عام 2005 بلغت الحاجة المحلية حوالي 4.07 مليون طن، مقابل إنتاج تجاوز 4.67 مليون طن ومخزون استراتيجي ممتاز.

  • 2007 – 2010: دخلت البلاد في موجات جفاف متعاقبة؛ ففي عام 2010 بلغت الحاجة 4.6 مليون طن بينما توقف الإنتاج عند 3.6 مليون طن (عجز بـ 1 مليون طن).

  • 2018: سجل الإنتاج أدنى مستوياته تاريخياً بواقع 1.22 مليون طن مقابل حاجة بلغت 3.4 مليون طن.

تحسن الموسم: سياسات أم عوامل جوية؟

رغم أن تحسن الإنتاج هذا العام يُعد قفزة إيجابية مهمة لدعم الأمن الغذائي، إلا أن تحليلات شبكات الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET) والخبراء الزراعيين تفرق بين “الموسم الجيد” و”السياسة الزراعية الناجحة”:

  • العوامل المناخية: يعود الفضل الأكبر في ارتفاع المحصول إلى تحسن معدلات الهطل المطري وتوفر الظروف الجوية المناسبة مقارنة بجفاف 2025 الكارثي.

  • التوسع الجغرافي: أسهم دخول مساحات زراعية إضافية في مناطق الجزيرة السورية ضمن حسابات الإنتاج الإجمالي في رفع الرقم النهائي.

  • التحديات المستمرة: تحذر تقارير دولية من أن ارتفاع أسعار الأسمدة والمحروقات وقلة الدعم المباشر للمزارعين قد تدفع البعض لتقليص المساحات المزروعة في المواسم القادمة إذا ما تراجعت الأمطار.

المستقبل: الاستراتيجية الزراعية 2026 – 2030

لتجاوز التذبذب في الإنتاج وتحقيق اكتفاء ذاتي مستدام لا يعتمد حصراً على الأمطار، أطلقت وزارة الزراعة بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة (FAO) استراتيجية زراعية ممتدة حتى عام 2030، ترتكز على:

  • اعتماد أصناف قمح عالية الإنتاجية ومقاومة للجفاف.

  • تأهيل شبكات الري الحديثة ومحطات الضخ المائية.

  • التوسع في تطبيقات “الزراعة الذكية مناخياً” لرفع كفاءة استخدام المياه.

يبقى الرهان الحقيقي للقطاع الزراعي السوري متمثلاً في تطبيق هذه الخطط على الأرض لتأمين القمح بشكل مستدام بعيداً عن تقلبات الطقس والتجاذبات الإعلامية.

المصدر: الصحفي محمد السلوم

إقرأ أيضاً: سوريا تحقق الاكتفاء الذاتي من القمح لأول مرة منذ سنوات بإنتاج تجاوز 2.7 مليون طن

إقرأ أيضاً: الأمن المائي السوري في مهب الممارسات الإسرائيلية والنفوذ الأردني

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.