مجلة أمريكية: اقتصاد سوريا بعد الأسد.. صدمة الأسعار تسبق التعافي وتضع الحكومة أمام أزمة معيشية متفاقمة
لم يعد اقتصاد سوريا بعد سقوط النظام السابق ملفاً موازياً للمسار السياسي، بل أصبح أحد الاختبارات الأكثر مباشرة لقدرة السلطة الانتقالية على تثبيت الاستقرار وبناء علاقة قابلة للاستمرار مع مجتمع أنهكته سنوات الحرب والفقر. فبينما تتحرك دمشق نحو إعادة ترتيب مؤسسات الدولة وفتح الاقتصاد أمام الاستثمار والتجارة، ما يزال المواطن يواجه ارتفاعاً في تكاليف الغذاء والسكن والطاقة، مقابل دخول لا تواكب هذه الزيادات.
وتحذر قراءة نشرتها مجلة “فورين أفيرز” في 22 أيلول/سبتمبر بعنوان “الانتقال السوري المهدد: كيف يهدد العلاج بالصدمة السلام بعد الأسد” من أن الأزمة الاقتصادية والمعيشية قد تتحول إلى عامل يهدد استقرار المرحلة الانتقالية، إذا لم تقترن الإصلاحات الاقتصادية بشبكات حماية اجتماعية قادرة على امتصاص كلفتها.
الإصلاح الاقتصادي يصل إلى المواطن من جهة الكلفة
المشكلة لا تكمن في أن الاقتصاد السوري يحتاج إلى إصلاح؛ بل في الطريقة التي تصل بها كلفة الإصلاح إلى حياة الناس. فالإجراءات التي تستهدف تحرير الأسعار وتقليص الدعم وإعادة تنظيم الأسواق قد تحمل أهدافاً مالية واقتصادية، لكنها تصبح شديدة القسوة عندما تطبق في مجتمع ما تزال قدرته الشرائية محدودة، وسوق العمل فيه ضعيفة، والخدمات الأساسية غير مستقرة.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوري يدخل 2026 وسط مؤشرات تحسن محدودة، مع انخفاض التضخم مقارنة بالسنوات السابقة، لكنه يبقى شديد التأثر بالصدمات الأمنية والإقليمية وبضعف الاستثمار والخدمات والإنتاج. كما يظل الحد الأدنى لسلة الإنفاق الأساسية أعلى بكثير من الحد الأدنى للأجور، ما يترك معظم الأسر أمام فجوة يصعب ردمها بالدخل المحلي وحده.
وهنا تظهر المشكلة الأهم في السياسة الاقتصادية الحالية: حين تكون الدولة غير قادرة على رفع الإنتاج والدخل بالسرعة نفسها التي تعيد بها تسعير الخدمات والسلع، يتحول الإصلاح إلى عبء مباشر على المستهلك.
الفقر لا ينتظر اكتمال الإصلاح
لا تبدأ الأزمة المعيشية من الأسعار وحدها. فسنوات الانكماش أضعفت فرص العمل، وأتلفت سلاسل الإنتاج، وقلصت قدرة الأسر على الادخار والاستثمار. ويشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الاقتصاد السوري عانى انهياراً في الأسواق وتراجعاً في فرص العمل وتدميراً واسعاً للبنية الإنتاجية، فيما يعيش نحو 83 بالمئة من السوريين تحت خط الفقر وفق البيانات المنشورة على منصة البرنامج.
وفي هذه البيئة، يصبح الحديث عن جذب الاستثمار أو تحويل سوريا إلى مركز تجاري إقليمي منفصلاً عن الواقع إذا لم يسبقه إصلاح للقطاع المصرفي، وتحسين للبيئة القانونية، واستعادة للإنتاج المحلي، وتأمين للطاقة، وخلق فرص عمل حقيقية.
فالاستثمار لا يصنع اقتصاداً بمفرده، كما أن فتح الاستيراد لا يعني بالضرورة تنشيط السوق المحلية. وإذا دخلت السلع المستوردة إلى سوق يعاني أصلاً ضعف الصناعة وارتفاع تكاليف التشغيل، فقد يجد المنتج المحلي نفسه أمام منافسة يصعب عليه تحملها.
الزيادات لا تلحق الأسعار
تحاول الحكومة تخفيف آثار الأزمة عبر زيادات في الأجور وإجراءات اقتصادية متتابعة، لكن المشكلة أن زيادة الدخل لا تتحول إلى تحسن فعلي في المعيشة إذا سبقتها موجات متلاحقة من ارتفاع الأسعار.
وتبقى الزراعة والصناعة والطاقة الحلقة التي يصعب تجاوزها في أي خطة للتعافي. فالبنك الدولي يشير إلى أن الزراعة بدأت تستفيد من تحسن الأمطار في 2026، لكنها لا تزال تتعافى من جفاف قاسٍ في 2025، بينما يبقى الإنتاج والاستثمار معرضين لصدمات عديدة.
لذلك، فإن استمرار السياسات التي تنقل كلفة إعادة بناء القطاعات إلى المستهلك قبل استعادة الإنتاج يحمل خطراً واضحاً: اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتحول الإصلاح الاقتصادي من وعد بالتعافي إلى سلسلة جديدة من الأعباء.
الحكومة أمام اختبار يتجاوز الأرقام
المشكلة التي تواجهها السلطة الانتقالية ليست فقط في حجم الموارد المتاحة، بل في ترتيب الأولويات. فإصلاح الاقتصاد لا يبدأ من تحرير الأسعار وحده، ولا من فتح الاستيراد، ولا من الإعلان عن مشاريع استثمارية ضخمة، وإنما من قدرة الدولة على إعادة تشغيل الإنتاج، وتوسيع فرص العمل، وضبط الأسواق، وحماية الشرائح الأضعف خلال مرحلة التحول.
وتحذر “فورين أفيرز” من أن العلاج الاقتصادي القاسي في مجتمع هش قد يهدد الاستقرار الذي يفترض أن يخدمه الإصلاح.
وفي سوريا، تبدو هذه المعادلة أكثر حساسية: فالمواطن الذي لم يعد يملك هامشاً لتقليص نفقاته لن ينتظر طويلاً نتائج إصلاحات تمتد سنوات. وكلما تأخر تحسن الدخل والإنتاج والخدمات، بقيت الإصلاحات الاقتصادية تُقاس بما تنتزعه من جيوب الناس لا بما تضيفه إلى قدرتهم على العيش.
وهنا تحديداً يكمن الخطر: أن تنجح الحكومة في تغيير قواعد الاقتصاد قبل أن تنجح في بناء اقتصاد يستطيع السوريون تحمّل كلفته.
اقرأ أيضاً: مجلة أمريكية..أزمة السيولة في سوريا.. طوابير طويلة وصرافات عاجزة