الكتلة الوطنية السورية تنتقد فصل موظفين في بانياس وحمص بتهمة أداء الخدمة العسكرية

تتسع الأسئلة حول طريقة إدارة الحكومة السورية الانتقالية لملف الموظفين في المؤسسات العامة، بعد تداول معلومات عن فصل مئات العاملين في مصفاتي بانياس وحمص على خلفية أدائهم الخدمة الإلزامية والاحتياطية خلال عهد النظام السابق، في وقت كان يفترض أن تشكل مرحلة ما بعد سقوط النظام بداية لمسار قانوني يفصل بين المسؤولية الفردية والانتماء الوظيفي.

وتحدثت مصادر إعلامية عن فصل 186 موظفاً مثبتاً في مصفاة بانياس، وقرابة 392 موظفاً في مصفاة حمص، بسبب أدائهم الخدمة العسكرية خلال السنوات السابقة، بينما انتقدت الكتلة الوطنية السورية هذه الإجراءات، معتبراً أن الخدمة الإلزامية كانت مفروضة على السوريين، ولا يمكن تحويلها بحد ذاتها إلى معيار للعقوبة أو الإقصاء الوظيفي.

العقوبة الجماعية بدل المسؤولية الفردية

وترى الكتلة أن التعامل مع موظفي الدولة والعمال يجب أن يستند إلى القانون، لا إلى منطق العقاب الجماعي، داعياً إلى إعادة الموظفين الذين لا تثبت بحقهم جرائم إلى أعمالهم، مع الحفاظ على حقوقهم الوظيفية.

وتضع هذه القضية الحكومة السورية الانتقالية أمام اختبار حساس في ملف العدالة الانتقالية؛ فالمحاسبة بعد الحروب والانقسامات لا تستقيم عندما تتحول القرارات الإدارية إلى بديل عن القضاء، أو عندما يصبح مجرد أداء واجب قانوني سابق دليلاً كافياً على المسؤولية السياسية أو الجنائية.

فالخدمة العسكرية، بصفتها تكليفاً إلزامياً فرضته الدولة على شرائح واسعة من السوريين، لا تثبت وحدها مشاركة أي موظف في جرائم أو انتهاكات. وبين من تورط فعلياً في جرائم تستوجب المحاسبة، ومن أدى خدمة مفروضة عليه ثم عاد إلى عمله، مساحة قانونية وأخلاقية لا يمكن اختزالها بقرار فصل إداري.

مصفاتا بانياس وحمص في قلب الأزمة

ولا تتوقف تداعيات القرارات عند حدود الموظفين المفصولين. فمصفاتا بانياس وحمص من المنشآت الحيوية في الاقتصاد السوري، وأي اضطراب في كوادرهما ينعكس على قطاعات الطاقة والإنتاج والخدمات، في بلد يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية ومعيشية متراكمة.

وتحذر الكتلة الوطنية السورية من أن تحويل المؤسسات العامة إلى ساحات لتصفية الحسابات قد يوسع دائرة الخوف والانقسام، ويقوض مفهوم الدولة الجامعة التي يفترض أن تتعامل مع مواطنيها وفق القانون لا وفق الانتماء السياسي أو المناطقي أو الطائفي.

كما دعا الحزب إلى تفعيل دور النقابات العمالية والفعاليات المدنية في حمص والساحل وبقية المحافظات، لمواجهة أي إجراءات وصفها بالتمييزية، والتأكد من حماية الحقوق الوظيفية للعمال.

العدالة الانتقالية أمام اختبار صعب

تكشف القضية، في جوهرها، عن مأزق أكبر يواجه الحكومة السورية الانتقالية: كيف يمكن محاسبة إرث النظام السابق من دون إنتاج مظالم جديدة؟

فالعدالة الانتقالية التي تبدأ من العقوبة الجماعية تفقد معناها سريعاً، بينما المحاسبة التي تستند إلى ملفات وأدلة ومحاكمات شفافة يمكن أن تؤسس لثقة مفقودة بالدولة.

وبينما لم تتضح بعد جميع ملابسات قرارات الفصل في مصفاتي بانياس وحمص، فإن استمرار غياب المعايير المعلنة والآليات القانونية الواضحة يترك الباب مفتوحاً أمام الشكوك، ويجعل الموظف السوري عالقاً مرة أخرى بين دولة تعاقبه على ماضٍ لم يختره، ودولة جديدة لم تحدد بعد بصورة واضحة أين تنتهي المحاسبة وتبدأ الانتقائية.

وفي مرحلة يفترض أن تكون عنواناً لبناء المؤسسات، قد يتحول الغموض الإداري إلى وقود جديد للانقسام، فيما تبقى الحاجة الأهم هي دولة تحاسب من ارتكب الجريمة، لا من حمل تبعات زمن لم يكن يملك قرار الخروج منه.

 

اقرأ ايضاً: مركز البحوث العلمية بحماة: فصل موظفين “شفهياً” واستبدالهم بآخرين برواتب مضاعفة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.