مجلس الشعب السوري بين صراع المناصب وتوازنات المرحلة الانتقالية… هل تؤجل الخلافات ولادة المؤسسة التشريعية؟
لم يكن تأجيل الجلسة الافتتاحية لمجلس الشعب السوري مجرد تعديل في روزنامة الاستحقاقات الدستورية، كما روّجت تفسيرات ربطته بالزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، بل كشف، وفق تسريبات متقاطعة، عن مشهد سياسي أكثر تعقيداً داخل أروقة المجلس الجديد، حيث تتقاطع حسابات النفوذ والتمثيل والمناطقية في أول اختبار حقيقي للمؤسسة التشريعية خلال مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد.
فبعد أشهر من الحديث عن بناء مؤسسات جديدة تقوم على الشفافية والتوافق، يبدو أن المجلس لم ينجُ من صراعات توزيع المناصب، في مشهد يكشف هشاشة التوافقات داخل مؤسسات المرحلة الانتقالية، تبدو الخلافات على توزيع المناصب حاضرة بقوة، لتطغى على الاستحقاق التشريعي الأول، وتفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة التوازنات التي يجري بناؤها داخل المجلس الجديد.
التأجيل… أبعد من الزيارة الفرنسية
بحسب مصدر سوري، فإن تأجيل انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب لا يرتبط مباشرة بزيارة الرئيس الفرنسي، بقدر ما يعكس استمرار المشاورات والخلافات حول توزيع المناصب القيادية داخل المجلس، وفي مقدمتها رئاسة المجلس ونائباه.
ويشير المصدر إلى أن التنافس على رئاسة المجلس دخل مرحلة مكثفة، مع ترقب لموقف الكتلة التي تضم الأعضاء المعينين من قبل رئيس الجمهورية، وما إذا كانت ستدعم مرشحاً محدداً، في وقت لم تنضج فيه التفاهمات النهائية بين الكتل المختلفة.
التوازنات الطائفية والمناطقية تعود إلى الواجهة
وتتحدث التسريبات عن نقاشات تتعلق بتمثيل المكونات داخل هيئة رئاسة المجلس، إذ يجري تداول مقترحات للحفاظ على تقليد منح منصب نائب الرئيس لشخصية مسيحية، في ظل تراجع نسبة تمثيل المسيحيين داخل المجلس الجديد.
كما طُرحت، وفق المصدر، أسماء نسائية لشغل أحد مناصب نواب الرئيس، إلا أن هذه الطروحات لم تحظ حتى الآن بإجماع سياسي، وسط تباين في تقييم الحضور السياسي والوطني للمرشحات المطروحات.
وبحسب المصدر ذاته، فإن هذه النقاشات تعكس محاولة لإنتاج توازنات سياسية ورمزية داخل المؤسسة الجديدة، لكنها في الوقت نفسه تكشف استمرار حضور الاعتبارات المناطقية والطائفية في رسم المشهد البرلماني.
“غرفة واتساب”… ساحة تفاوض موازية
ومن أكثر التفاصيل التي أثارت الاهتمام، ما كشفه المصدر عن وجود مجموعة عبر تطبيق “واتساب” تضم أعضاء المجلس البالغ عددهم 207 أعضاء، إلى جانب أعضاء اللجنة العليا للانتخابات، حيث تحولت المجموعة، وفق روايته، إلى مساحة غير رسمية للنقاشات الأولية وتبادل المواقف بشأن المناصب والتحالفات.
ويؤكد المصدر أن بعض الأعضاء بادروا إلى إعلان ترشحهم لرئاسة المجلس، بينما فضّل آخرون تأجيل حسم مواقفهم بانتظار اتضاح خريطة التحالفات، وهو ما أبقى المنافسة مفتوحة حتى اللحظة.
تنافس حلب… وانقسام المحافظات
وتشير المعطيات التي نقلها المصدر إلى بروز تنافس واضح داخل الكتلة النيابية لمحافظة حلب، التي تضم أكبر عدد من الأعضاء، حيث برز اسما عزام خانجي والدكتور محمد علي محمد ياسين كأبرز المتنافسين على حشد التأييد لرئاسة المجلس.
في المقابل، دفعت محافظات شرق سوريا باتجاه طرح أسماء تمثلها، معتبرة أن ثقلها العددي يمنحها حق المنافسة على المناصب العليا، وهو ما أضفى على المشهد بعداً مناطقياً يعكس استمرار التنافس بين مراكز القوى المحلية.
برلمان جديد… وأدوات قديمة
ورغم أن الجدل الدائر داخل مجلس الشعب يعكس، من زاوية، انتقال اختيار المناصب من التعيين المسبق إلى التفاوض السياسي، إلا أنه يكشف، من زاوية أخرى، هشاشة التوافقات داخل أول مؤسسة تشريعية في عهد الحكومة السورية الانتقالية.
فحتى الآن، تبدو معركة توزيع المناصب أكثر حضوراً من النقاش حول البرامج التشريعية أو أولويات المرحلة المقبلة، في وقت ينتظر فيه السوريون برلماناً قادراً على معالجة أزمات الاقتصاد والخدمات وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
وبين من يرى في هذه الخلافات مظهراً طبيعياً للحياة السياسية بعد عقود من احتكار القرار، ومن يعتبرها مؤشراً على إعادة إنتاج الانقسامات التقليدية بأدوات جديدة، يبقى مجلس الشعب أمام اختبار مبكر سيحدد ما إذا كان قادراً على التحول إلى سلطة تشريعية فاعلة، أم أنه سيظل أسير التوازنات والمحاصصات التي رافقت نشأته.
اقرأ أيضاً: كواليس تأجيل الجلسة الأولى لمجلس الشعب السوري وموعدها الجديد