خطاب الكراهية في سوريا: كيف تحولت السوشال ميديا إلى سلاح لتفكيك المجتمع؟

تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي في سوريا من مساحات للتواصل إلى ساحة مفتوحة لـ خطاب الكراهية والتحريض. ولم يعد الأمر مجرد ظاهرة رقمية عابرة، بل بات عاملاً مباشراً للتفكيك الاجتماعي يضرب ما تبقى من الروابط بين السوريين، وفقاً لما تراه الباحثة النفسية والمستشارة الأسرية عزة كردي.

في هذا التقرير، نستعرض الآثار النفسية والاجتماعية لخطاب التحريض الرقمي، وكيف يتأثر به المراهقون، والسبل العملية لمواجهة هذا الخطر المتزايد.

شرخ اجتماعي يتعمّق تحت وطأة الضغوط

توضح المستشارة عزة كردي في تصريح لـ Syria One أن حملات التحريض عبر السوشال ميديا تُحدث تأثيراً اجتماعياً فورياً. يعود ذلك إلى استهدافها نقاط الضعف في مجتمع يعاني أصلاً من ضغوط مركبة:

  • اقتصادية خانقة.

  • نفسية متراكمة.

  • سياسية معقدة.

هذا الخطاب يؤدي إلى إضعاف الثقة بين مكونات المجتمع، وإعادة إنتاج الانقسامات، وخلق شعور عام بالخطر من “الآخر”، مما يجعل أي حدث بسيط قابلاً للاشتعال والتحول إلى صراع رمزي أو فعلي.

المراهقون وسلسلة التأثر بخطاب الكراهية الرقمي

وبحسب كردي، تعتبر فئة المراهقين هي الأكثر هشاشة وعرضة للتأثر بخطاب الكراهية؛ والسبب في ذلك يعود لطبيعة هذه المرحلة العمرية:

1. بناء الهوية والانتماء

يمر المراهق بمرحلة تشكيل هويته ويبحث دائماً عن الاعتراف والقبول داخل مجموعته، مما يجعله يتبنى مواقف المجموعة دون تدقيق.

2. غياب الأدوات النقدية

لا يمتلك اليافعون في الغالب الوعي الكافي لتمييز الخطاب الموجه أو المضلل، فيتلقون الرسائل العدوانية كأنها حقائق مطلقة.

3. الانعكاس على السلوك الواقعي

لا يقتصر التأثر على الفضاء الافتراضي، بل يترجم سريعاً في الواقع على شكل:

  • انحيازات حادة ولغة عدوانية.

  • تضخم شعور “التفوق” أو “المظلومية والضحية”.

  • استعداد عالٍ للدخول في صراعات مادية أو لفظية.

السيكولوجيا الرقمية: كيف يُشحن الفرد بالكراهية؟

من منظور علم النفس الاجتماعي، يعمل خطاب التحريض عبر أربع آليات نفسية رئيسية تساهم في غسل أدمغة المستخدمين:

  1. التخويف: صناعة صورة نمطية مرعبة وتصوير “الآخر” كتهديد دائم للوجود.

  2. التجريد من الإنسانية: تصوير فئات معينة على أنها أقل قيمة أو فاقدة للأهلية الأخلاقية.

  3. التكرار المستمر: ضخ الفكرة العدوانية بشكل متواصل حتى تتحول إلى قناعة راسخة.

  4. العدوى الانفعالية: سرعة انتشار مشاعر الغضب والخوف بين المجموعات رقمياً وكأنها فيروس.

خلاصة الآلية النفسية: تدفع هذه العوامل الأفراد لتبني مواقف متطرفة، لشعورهم بأنهم في “معركة وجودية” وليس مجرد خلاف اجتماعي طبيعي.

من الشاشة إلى الشارع: الارتباط بين العنف الرقمي والواقعي

تؤكد كردي أن هناك ارتباطاً طردياً بين انتشار خطاب الكراهية على السوشال ميديا وارتفاع معدلات السلوك العدواني بين الشباب. يتدرج هذا العنف عبر المراحل التالية:

خطاب تحريضي رقمي ◄ تنمّر وإقصاء اجتماعي ◄ عنف رمزي ◄ اعتداءات مادية مباشرة في الواقع

ويحدث هذا التحول الخطير عندما يشعر الفرد أن سلوكه العدواني مبرر ومقبول بل ومرحب به داخل فقاعته الرقمية (Social Media Bubble).

خطة عمل: كيف نواجه خطر التفكك الرقمي؟

لمواجهة هذا الخطر الوجودي على النسيج الاجتماعي السوري، تقترح الباحثة عزة كردي استراتيجية شاملة تتكامل فيها أدوار الأسرة، المدرسة، والمجتمع:

دور الأسرة والمدرسة

  • الأسرة: فتح مساحات للحوار والنقاش داخل المنزل لتعزيز المناعة النفسية للأبناء، وتجنب إعادة إنتاج خطاب التحريض.

  • المدرسة: إدراج مهارات التفكير النقدي والتربية الإعلامية، وتعزيز قيم التعددية وقبول الآخر.

خطوات عملية للمجتمع والمؤسسات

  • تدريب الأهالي على مراقبة المحتوى الرقمي بوعي ودون ممارسة قمع يُنفّر الأبناء.

  • إطلاق حملات توعية مضادة تستهدف تفكيك الشائعات.

  • الضغط على منصات التواصل الاجتماعي لضبط وحظر المحتوى التحريضي.

  • تفعيل دور منظمات المجتمع المدني في رصد وخطاب التطرف الرقمي.

خاتمة

في بلد أنهكته سنوات الحرب والانقسام، لم يعد خطاب الكراهية مجرد كلمات تُكتب خلف الشاشات، بل هو مهدد حقيقي لجيل كامل يتشكل وعيه في فضاء افتراضي غير منضبط. تبدأ المواجهة من الاعتراف بالخطر وتكاتف كافة المؤسسات لبناء ثقافة مضادة تعيد للسوريين ثقتهم ببعضهم وبمستقبلهم.

إقرأ أيضاً: من التكبيرات إلى المجازر: كيف حولت وسائل التواصل الاجتماعي خطاب الكراهية إلى واقع دموي في سوريا

إقرأ أيضاً: بين ضجيج المنصات وصمت المستثمرين.. كيف يدفع خطاب الكراهية الاقتصاد السوري الثمن؟

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.