مياه نوى تنحسر.. 3 أشهر من الانقطاع و40% من الشبكة مهدور وآبار مخالفة تستنزف المصادر

لا تبدو أزمة المياه في مدينة نوى بريف درعا مجرد مشكلة مرتبطة بموسم جفاف عابر، فالأزمة تتسع مع تراجع الينابيع وانخفاض مخزون سد تسيل وتراجع جريان وادي الأشعري، بينما تعمل شبكة متهالكة على إهدار جزء كبير من المياه المتاحة. وفي المقابل، يزيد انتشار الآبار المخالفة والتعديات على مصادر المياه من الضغط على مخزون يتراجع أصلاً.

وبينما تقول مديرية الموارد المائية إن أكثر من 250 بئراً مخالفاً وتعدياً جرى رصدها في مناطق وادي الأشعري وسد تسيل، تصل نسبة الفاقد في شبكة المياه إلى نحو 40 بالمئة، فيما يقول سكان إن المياه غابت عن بعض المنازل لنحو ثلاثة أشهر. والنتيجة أن نحو 110 آلاف نسمة باتوا أمام خدمة لا تملك مقومات الاستقرار، فيما تتحول الصهاريج إلى حل مكلف ومؤقت.

ثلاثة أشهر من الانتظار والصهاريج تملأ الفراغ

يقول تامر الشولي إن المياه لم تصل إلى منزله منذ نحو ثلاثة أشهر، ما دفع الأسر إلى شراء المياه من مصادر بديلة لتأمين احتياجاتها الأساسية.

ويبلغ سعر الصهريج الذي يحمل عشرة براميل نحو 1500 ليرة سورية، بحسب الشولي، الذي يلفت إلى تفاوت واضح بين الأحياء والخطوط القديمة والجديدة. فحتى قبل تراجع الموارد، كانت الخطوط القديمة تحصل على المياه مرة كل أسبوعين تقريباً، بينما لم تكن الخطوط الجديدة تحصل عليها بانتظام.

المشكلة، وفق الشولي، لا تتعلق فقط بطول فترة الانقطاع، وإنما أيضاً بغياب جدول واضح للتوزيع، ما يبقي السكان في حالة انتظار مستمر لموعد وصول المياه، ويجعل تأمينها مرتبطاً بقدرة كل أسرة على شراء البديل.

الجفاف لا يوقف الزراعة وحدها

ولا تقتصر تداعيات نقص المياه على الاستخدام المنزلي، إذ يواجه المزارعون صعوبات متزايدة في تأمين مياه الري، بالتزامن مع ارتفاع كلفتها وتراجع كفاءة شبكات التوزيع.

ويقول المزارع فيصل أبو خروب إن الأعطال والتسربات تتسبب في هدر كميات من المياه، فيما يواجه المزارعون صعوبة في تأمين حاجاتهم لري المحاصيل.

وينتقد أبو خروب قرار استبدال الغاطسات الزراعية بأخرى لا تتجاوز استطاعتها عشرة أحصنة، موضحاً أن الغاطسات المستخدمة حالياً لدى المزارعين تصل استطاعتها إلى 75 حصاناً، وأن خفضها إلى المستوى المحدد قد لا يتناسب مع المساحات المزروعة واحتياجاتها.

ويرى أن معالجة الأزمة تحتاج أولاً إلى إصلاح الشبكات وتقليل الهدر، إلى جانب اعتماد حلول للري تتناسب فعلياً مع طبيعة الزراعة، بدلاً من فرض إجراءات قد تزيد أعباء المزارعين من دون معالجة أصل المشكلة.

أكثر من 250 بئراً وتعدياً على مصادر المياه

تزداد الصورة تعقيداً مع انتشار الآبار المخالفة والتعديات في المناطق المغذية للمصادر المائية. ويشير المواطن محمد الجهماني إلى أن الحفر العشوائي يرفع معدلات السحب من المياه الجوفية، ويزيد الضغط على الينابيع والآبار التي يعتمد عليها السكان.

ويؤكد مدير الموارد المائية في درعا، المهندس هاني عبد الله، أن عدد الآبار المخالفة والتعديات في وادي الأشعري وسد تسيل تجاوز 250، وتشمل أيضاً تركيب منظومات طاقة شمسية مخالفة على السد، أزيل جزء منها.

ويعزو عبد الله تراجع الموارد إلى انخفاض الهطولات وزيادة الاستهلاك، إلى جانب المخالفات وعدم الالتزام بالخطة الزراعية. ويوضح أن مخزون سد تسيل كان نحو 3.5 ملايين متر مكعب مع بداية موسم الري، قبل أن يُستهلك بالكامل نتيجة زيادة المساحات المزروعة، ما استدعى تزويد السد من غدير البستان لاستكمال ري بعض المحاصيل.

كما أظهرت الآبار الاستكشافية وآبار الشرب انخفاضاً في مناسيب المياه الجوفية مقارنة بالفترات السابقة، في مؤشر على أن الأزمة لا تتعلق بمصدر سطحي واحد، بل تمتد إلى المخزون الجوفي أيضاً.

شبكة تهدر 40 بالمئة من المياه

حتى المياه التي تصل إلى الشبكة لا تصل كاملة إلى المستهلك. إذ تقدر نسبة الضياع بنحو 40 بالمئة، بسبب قدم الشبكة وتوقف أعمال التجديد والاستبدال لفترات طويلة ونقص التمويل.

وتقول المديرية إنها تعمل على خطة إسعافية لتأمين مياه الشرب لنحو 110 آلاف نسمة، عبر استثمار آبار داخل المخطط التنظيمي وحفر آبار جديدة في مناطق تظهر مؤشرات مائية جيدة، إلى جانب معالجة التعديات على خطوط الضخ.

لكن هذه الإجراءات تبقى مرتبطة بقدرة الجهات المعنية على توفير التمويل وتنفيذ أعمال الصيانة والتجديد. وفي مدينة فقدت جزءاً كبيراً من مصادرها المائية، لا تبدو إضافة بئر هنا أو إزالة تعدٍّ هناك كافية ما دامت شبكة التوزيع نفسها تهدر نحو نصف المياه التي تمر عبرها.

وبذلك يجد سكان نوى أنفسهم أمام أزمة مركبة: مصادر تتراجع، ومخزون جوفي ينخفض، وآبار مخالفة تستنزف المياه، وشبكة متهالكة تهدر 40 بالمئة من الإمدادات، فيما يبقى الحل الإسعافي هو العنوان الأبرز لمعالجة أزمة يفترض أن تتطلب تخطيطاً طويل الأمد. أما الأهالي، فيواصلون شراء المياه وانتظار دورهم في شبكة لم تعد قادرة على ضمان أبسط احتياجات المدينة.

اقرأ أيضاً: أزمة المياه الجوفية في سوريا: 6 مليارات متر مكعب تحت تهديد الاستنزاف

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.