سوريا تخرج من العزلة.. هل تتحول الانفتاحات الدولية إلى استثمارات وإعادة إعمار؟

بدأت سوريا خلال الأسبوع الأول من أيلول 2026 باستعادة جزء من حضورها السياسي والدبلوماسي، مع تحركات أوروبية وألمانية ودنماركية باتجاه دمشق، بالتزامن مع خطوات دولية في ملف الاقتصاد وإعادة الإعمار. وفي المقابل، تواصلت التوترات الإقليمية من مضيق هرمز إلى جنوب لبنان وسوريا، ما يضع فرص التعافي الاقتصادي أمام اختبار أمني وسياسي معقد.

وشملت التحركات الأخيرة وفداً أوروبياً ناقش فرص الاستثمار في سوريا، فيما عقد مسؤولون ورجال أعمال ألمان لقاءات مع الرئيس الانتقالي أحمد الشرع. كما عادت السفارة الدنماركية إلى العمل بعد إغلاق استمر 14 عاماً.

وفي نيويورك، وثقت الأمم المتحدة للمرة الأولى منذ عام 2014 عملية لتدمير ذخائر كيميائية عُثر عليها ضمن مخلفات النظام السابق.

هذه التطورات تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن قدرة الانفتاح الدولي على التحول إلى تدفقات مالية ومشروعات فعلية، في وقت لا تزال فيه المنطقة محاطة بصراعات تؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة في الاقتصاد السوري.

الانفتاح السياسي يمهد الطريق أمام الاستثمار

شهدت علاقة دمشق بالمؤسسات الدولية والدول الغربية تحولاً ملحوظاً، حتى مع استمرار التحديات السياسية والاقتصادية داخل سوريا.

وفي مايو (أيار)، أجرى الاتحاد الأوروبي أول حوار سياسي رفيع المستوى مع الحكومة السورية، بالتزامن مع إعادة العمل الكامل باتفاقية التعاون التي كانت معلقة جزئياً منذ عام 2011.

كما خصص الاتحاد الأوروبي 620 مليون يورو لعامي 2026 و2027 لبرامج المساعدات والتعافي الاقتصادي والاجتماعي.

ولا تقتصر أهمية هذه الخطوات على الجانب الدبلوماسي، إذ يمكن أن تمنح المصارف والشركات مؤشرات على تراجع المخاطر السياسية والقانونية المرتبطة بالتعامل مع السوق السورية مقارنة بما كانت عليه خلال السنوات السابقة.

وشهد القطاع المالي بدوره خطوات باتجاه استعادة العلاقات الدولية، مع عودة صندوق النقد الدولي إلى دمشق، وموافقة البنك الدولي على منحة بقيمة 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي، إلى جانب تسجيل أولى المعاملات الدولية لشركتي «فيزا» و«ماستركارد».

لكن هذه التطورات لا تعني أن النظام المصرفي السوري عاد إلى وضع طبيعي بالكامل. فالسماح بإعادة فتح قنوات التعامل المالي يمثل خطوة أولى، بينما يبقى التحدي في قدرة المستثمرين على تحويل هذه القنوات إلى حركة فعلية لرؤوس الأموال.

مليارات الدولارات على الورق

أعلنت سوريا خلال الفترة الماضية عن اتفاقات استثمارية بمليارات الدولارات شملت قطاعات المطارات والاتصالات والطاقة والنقل والعقارات.

ومن أبرز الحزم المعلنة اتفاق بقيمة 14 مليار دولار يتضمن مشروع مطار جديد في دمشق ومترو للعاصمة ومشروعات عقارية، إضافة إلى استثمارات سعودية كبيرة كان قد أُعلن عنها في وقت سابق.

غير أن القيمة المالية لأي اتفاق لا تعكس بالضرورة حجم الأموال التي دخلت الاقتصاد السوري. فبعض الاتفاقات قد تكون عقوداً نافذة، بينما يأتي بعضها الآخر في صورة مذكرات تفاهم تحتاج إلى تمويل وأراضٍ وتراخيص قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.

حتى المشروعات التي أصبحت جاهزة للتنفيذ تحتاج إلى منظومة مالية وقانونية قادرة على تحويل الأموال وتأمين المعدات وحسم النزاعات التجارية.

لذلك، فإن المؤشر الأكثر دقة على تقدم إعادة الإعمار في سوريا لن يكون مجموع الأرقام المعلنة، وإنما الأموال التي جرى ضخها فعلياً والمشروعات التي بدأت أعمالها وحجم النشاط الاقتصادي وفرص العمل الناتجة عنها.

فجوة تمويل إعادة الإعمار

يواجه الاقتصاد السوري احتياجات ضخمة لإعادة بناء ما تضرر خلال سنوات الحرب.

وقدّر البنك الدولي احتياجات إعادة الإعمار بصورة محافظة بنحو 216 مليار دولار، بينها 82 مليار دولار مخصصة للبنية التحتية و75 ملياراً للمساكن. ويقارب هذا الرقم عشرة أضعاف الناتج السوري المقدر لعام 2024.

في المقابل، لا يتحرك رأس المال وفق حجم الاحتياجات فقط، وإنما يبحث عن المناطق التي توفر فرصاً للربح ومستوى أعلى من الاستقرار والحماية القانونية.

ومن المرجح أن تتجه الاستثمارات الأولى إلى المناطق الأكثر قدرة على استضافة الأعمال والأقل تعرضاً للمخاطر، بينما قد تتأخر المناطق التي تجمع بين ارتفاع حجم الدمار وضعف الإدارة وارتفاع المخاطر الأمنية.

وقد يؤدي ذلك إلى ظهور اقتصاد سوري بسرعتين، تتقدم فيه بعض المناطق والمراكز الاقتصادية بوتيرة أسرع من المناطق الطرفية والأشد تضرراً، ما قد يجعل عملية إعادة الإعمار تعيد إنتاج جزء من الاختلالات بدلاً من معالجتها.

لماذا يؤثر مضيق هرمز في الاقتصاد السوري؟

رغم أن طرق التجارة السورية لا تمر مباشرة عبر مضيق هرمز، فإن اضطرابات الممر البحري تنعكس على تكلفة إعادة الإعمار وأسعار الطاقة والنقل والتأمين.

وقبل اندلاع الحرب الإيرانية، كان نحو 125 سفينة تجارية كبيرة تعبر المضيق يومياً. وفي الثالث من أيلول، أظهرت بيانات تتبع السفن عبور أربع سفن سلع فقط، مقارنة بمتوسط يقارب 15 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط وتجدد المخاوف بشأن الإمدادات، وفق ما أوردته رويترز.

وتصل تداعيات هذه التطورات إلى سوريا عبر ارتفاع تكاليف التشغيل والنقل، إضافة إلى زيادة كلفة الشحن والتأمين والمعدات ومواد البناء المستوردة.

وفي المشروعات ذات الميزانيات المحددة، يمكن لهذه الزيادات أن تؤدي إلى تقليص نطاق الأعمال أو تأجيل مراحل من التنفيذ. كما أن المصارف وشركات التأمين تعيد تسعير المخاطر على مستوى المنطقة، ما يعني أن الشركات العاملة في سوريا قد تتحمل جزءاً من تكلفة الاضطرابات الإقليمية حتى عندما لا تكون سوريا طرفاً مباشراً فيها.

في المقابل، يمكن لموقع سوريا الجغرافي أن يمنحها فرصة للتحول إلى ممر بديل للطاقة والتجارة نحو البحر المتوسط، لكن الاستفادة من هذه الميزة تتطلب بنية تحتية فعالة واتفاقات طويلة الأجل وحدوداً قابلة للحماية.

لبنان وإسرائيل ضمن حسابات المستثمرين

ترتبط فرص التعافي الاقتصادي في سوريا أيضاً بالوضع في لبنان، في ظل حدود تمتد بين البلدين لنحو 375 كيلومتراً.

واستخدمت الشركات السورية لبنان منفذاً للتصدير، فيما اعتمد التجار اللبنانيون على الأراضي السورية للوصول إلى الأردن ودول الخليج. لكن حجم التبادل التجاري بين البلدين تراجع من نحو 800 مليون دولار في ذروته إلى قرابة 250 مليوناً خلال عام 2025.

ويأتي استمرار الحرب في جنوب لبنان ليضيف ضغوطاً جديدة على فرص استعادة العلاقات الاقتصادية بين البلدين. فلبنان، الذي يواجه توقعات بانكماش يتراوح بين 7 و10% خلال 2026 وأضراراً تصل إلى 20 مليار دولار، سيكون مضطراً إلى توجيه جزء كبير من موارده لمعالجة أزمته الداخلية.

أما العمليات الإسرائيلية داخل سوريا، فتفرض مخاطر مباشرة على المستثمرين والبنية التحتية. فقد تعرض مطار أبو الظهور العسكري للقصف، ونُفذت ضربة قرب بيت جن، بينما لا تزال قوات إسرائيلية تعمل في الجنوب وتسيطر على أراضٍ استولت عليها بعد سقوط النظام السابق.

ويعني ذلك أن بعض مشروعات البنية التحتية قد تصبح مرتبطة بحسابات الصراع الإقليمي. فالمستثمر الذي يدرس إنشاء محطة كهرباء أو طريق أو مستودع لا ينظر إلى العائد الاقتصادي فقط، بل يضع أيضاً في حساباته قدرة الجهات المعنية على حماية المشروع واحتمال تحوله إلى هدف نتيجة التطورات العسكرية.

الانفتاح الدولي وحده لا يكفي

تسعى أوروبا إلى قيام سوريا مستقرة بما يخفف ضغوط اللجوء والتهريب، بينما تنظر دول الخليج إلى السوق السورية باعتبارها فرصة اقتصادية وإمكانية لاستعادة النفوذ وربما الاستفادة من موقع البلاد كممر نحو البحر المتوسط.

لكن التمويل والاستثمار لا يعنيان توفير مظلة أمنية. فالدول والمؤسسات تستطيع تمويل مشروع أو دعم مؤسسة، لكنها لا تستطيع بمفردها ضمان المجال الجوي السوري أو إنهاء الحرب في لبنان أو معالجة اضطرابات مضيق هرمز.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تحميل العوامل الخارجية وحدها مسؤولية أي تعثر في الاقتصاد السوري. فالمخاطر الإقليمية حقيقية، لكن هناك عوامل داخلية تستطيع الحكومة التأثير فيها، مثل وضوح العقود، وسرعة القضاء، وحسم نزاعات الملكية، والرقابة المصرفية، وتحديد أولويات الإنفاق والاستثمار.

كما أن اختيار المشروعات ذات الطابع الاستعراضي على حساب الخدمات الأساسية قد يؤثر في مسار التعافي، وهو ملف يقع بدرجة كبيرة ضمن قدرة المؤسسات السورية على اتخاذ القرار.

التعافي السوري قد يكون غير متساوٍ

خلال العامين المقبلين، يبدو التعافي الاقتصادي غير المتساوي أحد السيناريوهات الأقرب، مع احتمال تقدم المدفوعات والاتصالات وبعض مشروعات المطارات والطاقة، في حين قد تتأخر المناطق الأكثر تضرراً.

وتشير التطورات الدبلوماسية والمالية إلى أن سوريا بدأت الخروج جزئياً من عزلتها، لكن الانفتاح السياسي لا يتحول تلقائياً إلى استثمار أو إعادة إعمار.

المعيار الفعلي سيكون في حركة الأموال، وتراجع كلفة التأمين، وعودة المصارف إلى التعامل الطبيعي، وبدء تنفيذ المشروعات المعلنة، والأهم في قدرة الاستثمار على الوصول إلى المحافظات خارج دمشق.

فنجاح إعادة إعمار سوريا لن يقاس بعدد الاتفاقات التي تُعلن، وإنما بقدرتها على التحول إلى مشروعات ممولة ومنفذة، وعلى خلق اقتصاد أكثر قدرة على العمل والاستمرار في مواجهة الضغوط الداخلية والإقليمية.

إقرأ أيضاً: مشروع صناعي في الرقة بقيمة 200 مليون دولار يفتح باباً للاستثمار ويعيد رسم النفوذ الاقتصادي

إقرأ أيضاً: إعادة الإعمار وتحديات سوق العمل: هل تُبنى تنافسية الاقتصاد السوري على رخص الأجور أم الكفاءة؟

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.