اختراقات البيانات في سوريا: 7 مسارات تهدد المعلومات الحكومية والشخصية
تواجه سوريا تحدياً متزايداً في حماية البيانات الشخصية والحكومية، في وقت لا تزال فيه البنية التحتية الرقمية تعاني آثار 14 عاماً من الحرب، بينما تسير عملية إعادة بناء أنظمة الاتصالات والحماية السيبرانية بوتيرة لا تواكب حجم المخاطر.
ولم تعد التهديدات مقتصرة على بيانات المواطنين أو السجلات المدنية، بل وصلت إلى أرشيفات مؤسسات حكومية ووثائق شديدة الحساسية. ومن أبرز الحالات الأخيرة تسريب نحو 19 غيغابايت من أرشيف وزارة الخارجية السورية في 10 يونيو (حزيران) الماضي، فيما قالت الجهة التي كشفت البيانات، ولم تحدد هويتها، إنها حصلت عليها عبر وصول مادي إلى الأرشيف وليس من خلال اختراق إلكتروني.
وتكشف هذه الحوادث أن حماية المعلومات لا تتوقف عند تأمين الشبكات والأنظمة المتصلة بالإنترنت، وإنما تشمل أيضاً إدارة الصلاحيات، وحماية الأجهزة، وتأمين النسخ الاحتياطية، وضبط الوصول المباشر إلى الوثائق.
تسريب أرشيف وزارة الخارجية
تضمنت البيانات التي جرى تسريبها مراسلات دبلوماسية ووثائق إدارية وكشوف رواتب وسجلات مالية، إلى جانب معلومات مرتبطة بمهام ونفقات رسمية.
وأثارت طريقة الحصول على هذه الوثائق تساؤلات بشأن الجهة التي تمكنت من الوصول إليها، بعدما أكدت الجهة التي أعلنت التسريب أن العملية لم تكن نتيجة اختراق إلكتروني عن بعد، وإنما تمت عبر الوصول إلى الأرشيف بصورة مباشرة.
وتكتسب الواقعة أهمية إضافية في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها المؤسسات السورية منذ سقوط النظام السابق أواخر عام 2024، وما رافق ذلك من إعادة ترتيب للقوانين والأنظمة والمؤسسات.
ويرتبط ضعف القدرة على استعادة البيانات المسربة أو ملاحقة المسؤولين عنها، وفق المعطيات الواردة، بعوامل عدة، بينها غياب الاستقرار السياسي، وفقدان أو تعطل أنظمة إلكترونية، وضعف إجراءات الحماية التقنية والرقمية.
كلمات المرور ليست الخطر الوحيد
يحدد المتخصص في الأمن السيبراني المهندس علاء غزال سبعة مسارات رئيسية يمكن أن يستغلها المهاجمون للوصول إلى البيانات في سوريا.
ويأتي في مقدمتها اختراق الحسابات التي لا تستخدم المصادقة الثنائية، أو تعتمد على كلمات مرور ضعيفة، إضافة إلى الحالات التي تحتفظ فيها جهة أخرى بكلمة المرور من دون تغييرها بصورة دورية.
وبرز هذا الأسلوب في 2 مارس (آذار) الماضي، عندما تعرضت حسابات إلكترونية رسمية على منصة «إكس» للاختراق، ومن بينها حسابات رئاسة الجمهورية والمصرف المركزي ووزارتي التربية والنقل.
وبحسب غزال، أظهرت التحقيقات التي أعقبت الحادثة وجود ضعف في كلمات المرور وفي نظام المصادقة المتعددة، الذي يضيف وسيلة ثانية للتحقق من هوية المستخدم بدلاً من الاعتماد على كلمة المرور وحدها.
ثغرات برمجية تفتح الطريق إلى قواعد البيانات
المسار الثاني يتعلق بالثغرات الموجودة في المواقع والأنظمة البرمجية نفسها.
ويشير غزال إلى أن وزارة الاتصالات اعترفت في 13 يونيو (حزيران) 2025 بوجود ضعف في البنية البرمجية، بالتزامن مع محاولات اختراق واسعة. وشملت الواقعة كشف ملفات إعدادات عبر الإنترنت، بينها ملفات مرتبطة بقواعد التحكم بالبيانات.
وأتاح ذلك، وفق ما أورده المتخصص، للمهاجمين الوصول إلى البيانات والتحكم بها، ما يوضح أن حماية المعلومات تحتاج إلى تأمين البرمجيات التي تتعامل معها، وليس فقط الحسابات المستخدمة للدخول إليها.
التسريب الداخلي أكثر تعقيداً
ويضع غزال «التسريب الداخلي» في خانة أكثر خطورة، خصوصاً عندما يمتلك الموظف صلاحيات واسعة تسمح له بالوصول إلى كمية كبيرة من المعلومات.
ويربط المتخصص هذا الأسلوب بحادثة وزارة الخارجية في يونيو الماضي، والتي بلغ حجم الوثائق المسربة فيها نحو 19 غيغابايت. ووفق روايته، لم يكن الوصول إلى هذه الملفات عبر اختراق خارجي، وإنما من خلال موظف يمتلك صلاحيات تخوله الوصول إلى الأرشيف.
وتكمن خطورة هذا النوع من التسريب في أن صاحب الصلاحية يستطيع الوصول إلى معلومات قد تكون بعيدة عن متناول المهاجم الخارجي، ولا سيما البيانات غير المرتبطة بالإنترنت. ويصبح الموظف الذي يمتلك صلاحيات المدير أو «الأدمن» قادراً على الوصول إلى حجم كبير من البيانات من دون الحاجة إلى تجاوز أنظمة الحماية الخارجية.
ويشمل ذلك، بحسب غزال، الموظفين السابقين أو الذين جرى فصلهم من العمل إذا بقيت لديهم صلاحيات وصول إلى الأنظمة أو المعلومات.
البرمجيات الخبيثة تستهدف أجهزة الموظفين
المسار الرابع يتمثل في الأجهزة الطرفية غير المؤمنة أو المصابة ببرمجيات خبيثة، ومن بينها «ريدلاين» (RedLine) و«دارك كوميت» (DarkComet)، أو ما يعرف بأدوات «حصان طروادة».
ويوضح غزال أن هذه الأدوات يمكن زرعها في جهاز الشخص المستهدف بوسائل مختلفة، بينها الروابط أو أدوات الاختراق، ثم استخدامها للحصول على بيانات الدخول والمعلومات المخزنة على الجهاز.
وتصبح الحسابات والبيانات السرية عرضة للاختراق عندما تكون الأجهزة المستخدمة غير محمية بصورة كافية، خصوصاً إذا كانت تحتوي على بيانات دخول إلى خدمات أو أنظمة أخرى.
وفي واقعة مختلفة، أظهر فحص هاتف جندي إسرائيلي عُثر عليه في درعا جنوب سوريا أن الجهاز كان مزوداً بطبقات حماية إضافية. وبحسب المعلومات الواردة، تولت شركة برمجيات متخصصة تعديل الجهاز المدني وتحويله إلى جهاز عسكري بهدف تعزيز حمايته من الاختراقات.
البيانات غير المشفرة.. فرصة إضافية للمهاجمين
تشكل قواعد البيانات المكشوفة والنسخ الاحتياطية غير المشفرة مساراً خامساً للوصول إلى المعلومات، خصوصاً عند غياب وسائل الحماية التي توفرها الجدران النارية (firewall).
ويرى غزال أن تشفير البيانات يمثل طبقة دفاع أساسية، إذ إن وصول المهاجم إلى ملف مشفر لا يعني بالضرورة قدرته على استخدام محتواه مباشرة، لأنه سيحتاج أولاً إلى فك التشفير.
وتوفر هذه الفترة الزمنية فرصة للمؤسسة المتضررة لاكتشاف الاختراق وتغيير وسائل الوصول إلى البيانات، بما في ذلك كلمات المرور.
ويضرب المتخصص مثالاً بالقطاع المصرفي: فإذا تمكن المهاجم من الوصول إلى بيانات مصرفية مشفرة، تستطيع إدارة البنك، بعد اكتشاف الحادثة، التواصل مع العملاء وتغيير كلمات المرور قبل تمكن المهاجم من فك البيانات واستخدامها.
التصيد يستغل قلة الخبرة الرقمية
أما المسار السادس فهو «الهندسة الاجتماعية»، التي تقوم على خداع المستخدم وإقناعه بتقديم معلوماته بنفسه بدلاً من اختراق النظام مباشرة.
وفي ديسمبر (كانون الأول) 2025، حذر البنك المركزي السوري من حملات اختراق وتصَيّد تعتمد على روابط وهمية، ما دفعه إلى إطلاق حملات توعية للمستخدمين.
ويربط غزال جانباً من هذه الحملات بتطبيق «شام كاش»، الذي يصفه بأنه تطبيق وحيد في الأسواق، مشيراً إلى استغلال اسمه في روابط احتيالية تستهدف المستخدمين بحجة توثيق الحسابات أو إتمام إجراءات مرتبطة بها.
وتعتمد هذه الطريقة على استغلال ضعف الخبرة لدى بعض المستخدمين وتعقيدات إجراءات تأكيد الحساب وتوثيقه، إذ يمكن أن تؤدي الروابط المزيفة إلى كشف بيانات الدخول وسرقة الحسابات.
الوثائق الرسمية عرضة للوصول المباشر
المسار السابع، وفق غزال، هو «الوصول الفيزيائي المباشر»، أي الوصول إلى الوثائق أو الأجهزة من دون الحاجة إلى اختراق النظام إلكترونياً.
ويشير إلى أن الحصول على بعض الوثائق الرسمية أصبح أكثر سهولة بعد سقوط النظام السابق، في ظل ما يصفه بضعف خبرة بعض الموظفين الجدد في التعامل مع المستندات التي يفترض أن تكون مخصصة لأغراض محددة.
ويقدم مثالاً على ذلك بيان القيد العائلي المستخدم في قضايا حصر الإرث، موضحاً أن وضع إشارة تبين أن الوثيقة مخصصة لهذا الغرض يساعد في الحد من استخدامها في عمليات الاحتيال.
وبحسب تقييم غزال، فإن الحوادث التي شهدتها سوريا يمكن إرجاعها إلى أحد أساليب الوصول السبعة، ويرى أن المشكلة لا تتمثل فقط في وجود خلل تقني واسع، وإنما في كيفية إدارة البيانات والصلاحيات والبنية الرقمية.
5 مليارات دولار لتطوير الاتصالات والتحول الرقمي
تأتي هذه المخاطر فيما تحتاج سوريا، وفق المعطيات الواردة، إلى استثمارات لا تقل عن 5 مليارات دولار لتطوير البنية التحتية لقطاع الاتصالات والتحول الرقمي.
وقال وزير الاتصالات السوري عبدالسلام هيكل في 2 سبتمبر (أيلول) الجاري إن الوزارة تعمل على نقل البيانات وزيادة سرعات الإنترنت، إلى جانب تطوير التحول الرقمي وخدمات الاتصالات.
وفي الجانب المتعلق بالتهديدات الحالية، حذر مركز أمن المعلومات في الهيئة الوطنية لخدمات تقنية المعلومات في سوريا من إعلانات وروابط احتيالية تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتقدم وعوداً بأرباح وهمية بهدف سرقة الأموال والبيانات.
ونشرت الهيئة في 1 يوليو (تموز) الماضي إحصاءات «مركز أمن المعلومات الوطني» بشأن التهديدات السيبرانية خلال يونيو، وقالت إن المركز تصدى لأكثر من 4.8 مليون هجمة سيبرانية، كما رصد أكثر من 35 ألف مصدر للهجمات المنفذة.
وأوضح المركز أن عمليات الاحتيال تبدأ غالباً بعروض أرباح وهمية أو مغرية، قبل مطالبة الضحية بإدخال بيانات شخصية ومصرفية أو تحويل أموال بحجة تفعيل الحساب، لينتهي الأمر بسرقة البيانات أو تكبد خسائر مالية.
سوق للبيانات المسروقة على الإنترنت
لا تنتهي مخاطر البيانات عند تسريبها، إذ يمكن تداولها وبيعها عبر أسواق ومنصات رقمية، من بينها «الدارك ويب» (Dark Web) و«تيليغرام».
ويقول غزال إن مجرمي الإنترنت يشترون البيانات لاستخدامها في الاحتيال وسرقة الحسابات المصرفية والبنكية والابتزاز، كما توجد شبكات وساطة تربط بين الأشخاص الذين يحصلون على البيانات والجهات التي تستخدمها في أنشطة إجرامية.
ويشير كذلك إلى وجود ما يسمى «شركات التسويق الرمادية» المنتشرة في الصين، والتي يمكن أن تستغل بيانات الموظفين في حملات تأثير أو تستخدم أرقام مواطنين سوريين في إرسال إعلانات ممولة عبر «فيسبوك» وغيره من منصات التواصل.
وعن الجهات التي يمكن أن تشتري البيانات السورية المسروقة، يقول غزال إن المشترين قد يكونون جهات أمنية وسياسية تسعى إلى الحصول على بيانات حكومية أو معلومات اتصالات وأسماء شخصية وعسكرية، بما في ذلك بيانات مرتبطة بدول تعتبرها معادية، حتى إذا كانت المعلومات محدودة.
كما يمكن أن تستهدف هذه البيانات جهات إجرامية، خصوصاً تلك المرتبطة بالحسابات والتطبيقات التي تعتمد على المحافظ المالية، بهدف سرقة الحسابات واختراقها.
ولا تقتصر المعلومات المتداولة على نوع واحد، إذ يمكن بيعها عبر تطبيقات أو ملفات جداول رقمية، كما قد تشمل سجلات الاتصال والسجلات الصحية. ويحذر غزال من إمكانية استغلال بعض أنواع البيانات الصحية في أغراض ضارة، بينها استخدام معلومات نسب انتشار الأمراض في بلد ما ضمن أنشطة تستهدف نشر مرض بيولوجي.
حماية البيانات تبدأ من داخل المؤسسات
يقترح غزال إنشاء مراكز عمليات أمنية تتولى مراقبة عمليات سحب البيانات وتتبعها، إلى جانب مراكز بيانات تكون حلقة وصل بين الأجهزة الطرفية والخوادم، معتبراً أن هذا النوع من البنية يصعب اختراقه بسهولة.
لكن الحماية التقنية وحدها لا تكفي، إذ تحتاج المؤسسات العامة أيضاً إلى بناء ثقافة أمن رقمي لدى الموظفين، وتوفير التدريب المتخصص وإجراء دورات واختبارات عملية تساعد على تقليل الأخطاء البشرية.
كما تبرز الحاجة إلى قوانين واضحة وصارمة تلزم المؤسسات بالإبلاغ عن حوادث الاختراق، إلى جانب تسريع عملية الإبلاغ عند وقوع أي حادثة، بما يسمح باتخاذ إجراءات احترازية قبل توسع الضرر.
وفي حالة البنية الرقمية السورية، تبدو حماية البيانات مرتبطة بقدرة المؤسسات على معالجة نقاط الضعف التقنية والإدارية في الوقت نفسه. فالحسابات والبرمجيات والأجهزة ليست وحدها مسارات الخطر؛ إذ يمكن لصلاحية داخلية أو وثيقة غير مؤمنة أو رابط احتيالي أن تؤدي إلى النتيجة نفسها، حتى من دون اختراق مباشر لشبكة المؤسسة.
إقرأ أيضاً: أسئلة دينية في استمارة توظيف منسوبة لوزارة الدفاع السورية تثير جدلاً واسعاً
إقرأ أيضاً: ارتفاع الهجمات السيبرانية على المواقع الحكومية السورية