سموم تحت الأقدام.. كيف تهدد التربة السورية غذاء السوريين ومستقبل الزراعة؟

لم تعد الأرض في سوريا مجرد مساحة تنتج القمح والخضار وتحمل ذاكرة الريف، بل تحولت في مناطق كثيرة إلى سجل مفتوح لتراكم الأزمات؛ حرب طويلة، أنقاض، نفايات، منشآت متهالكة، وممارسات بشرية تركت آثارها تحت سطح التربة بعيداً عن أعين الناس.

فبينما تصل الخضار إلى الأسواق وتُرتّب على موائد السوريين يومياً، يبقى السؤال الأكثر غياباً: ماذا حملت هذه المنتجات معها من الأرض؟ وهل ما يبدو آمناً فوق الطبق يخفي في داخله أثراً لسنوات من الإهمال والتلوث؟

تلوث التربة لم يعد تهديداً بيئياً مؤجلاً، بل مشكلة تمس صحة الإنسان مباشرة، بعدما أصبحت الأراضي الزراعية عرضة لمصادر متعددة من الملوثات الكيميائية والبيولوجية وحتى الإشعاعية، في ظل ضعف الرقابة وغياب منظومة وطنية شاملة لرصد الخطر.

من النفايات إلى المائدة.. رحلة السموم الصامتة

يوضح مدير الرصد والتقييم البيئي في وزارة الإدارة المحلية والبيئة الدكتور أسعد علبي أن التربة السورية تواجه تهديدات ناتجة عن تراكم المعادن الثقيلة مثل الرصاص والكادميوم والزئبق، إضافة إلى المشتقات النفطية والمبيدات والأسمدة الكيميائية وبقايا البلاستيك.

وتدخل هذه المواد إلى الأرض عبر مسارات عديدة: مكبات النفايات العشوائية، مياه الصرف غير المعالجة، التسربات النفطية، والمخلفات الصناعية والطبية، فيما أضافت سنوات الحرب طبقة جديدة من المخاطر عبر الأنقاض والمواد الخطرة المتروكة في مواقع مدمرة.

الخطر الأكبر أن التربة لا تنسى سريعاً؛ فبعض الملوثات تبقى لعقود، تنتقل من الأرض إلى النبات، ومن النبات إلى الحيوان، ثم تجد طريقها إلى جسم الإنسان عبر سلسلة غذائية لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة.

ويحذر علبي من أن التعرض لهذه المواد قد يرتبط باضطرابات الجهاز العصبي والكلى والكبد والجهاز التنفسي، إضافة إلى مشاكل النمو والإنجاب وبعض أنواع السرطان، فيما يبقى الأطفال الحلقة الأضعف بسبب حساسية أجسامهم واحتكاكهم المباشر بالتربة والغبار.

أرض تفقد خصوبتها.. وزراعة تدفع ثمن الإهمال

لا يدفع الإنسان وحده ثمن تلوث التربة، فالضرر يمتد إلى قلب النظام الزراعي نفسه. إذ يؤدي تراكم الملوثات إلى ضعف إنبات البذور، وتراجع نمو الجذور، وانخفاض قدرة النباتات على امتصاص الماء والعناصر الغذائية، ما ينعكس على جودة المحاصيل وإنتاجيتها.

كما تتعرض الكائنات الدقيقة والديدان النافعة في التربة للقتل، وهي عناصر أساسية للحفاظ على خصوبتها، ما يعني أن الأرض تفقد تدريجياً قدرتها الطبيعية على التجدد.

ويشير الباحث الزراعي الدكتور إبراهيم عبد الله إلى أن بعض آثار التلوث قد تظهر من خلال تغير لون النباتات أو تشوه الأوراق أو تراجع الإنتاج، بينما تظهر مؤشرات أخرى في تغير طعم الثمار ورائحتها نتيجة تراكم المواد السامة داخلها.

لكن المشكلة الأكبر أن كثيراً من هذه الأضرار لا تظهر فوراً، بل تتراكم ببطء داخل جسم الإنسان حتى تصل إلى مستويات خطرة.

رقابة متأخرة أمام خطر يتوسع

رغم وجود قانون حماية البيئة رقم 12 لعام 2012، الذي يفرض عقوبات على تلويث الأراضي والتخلص غير الآمن من المخلفات، فإن الواقع يكشف فجوة واسعة بين النصوص والتطبيق.

وتؤكد الجهات البيئية أن معالجة التربة الملوثة أكثر صعوبة وكلفة من منع التلوث أساساً، داعية إلى تفعيل برامج الرصد وتحليل عينات التربة والمياه وإعداد خرائط وطنية تحدد مواقع الخطر.

إلا أن إعادة تفعيل منظومة الرصد البيئي المتوقفة منذ سنوات تعكس حجم التأخر في التعامل مع ملف كان يفترض أن يكون من أولويات مرحلة إعادة البناء.

ففي بلد أنهكته الحرب، لم تعد حماية البيئة قضية ثانوية أو ترفاً مؤجلاً، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي والصحة العامة ومستقبل الأجيال القادمة.

بين مسؤولية المواطن وغياب الدولة

يدعو الخبراء المزارعين إلى تقليل الاستخدام العشوائي للمبيدات والأسمدة، وتحليل التربة قبل الزراعة، والاعتماد على بدائل أكثر أماناً، كما يشددون على ضرورة منع رمي الزيوت والبطاريات والمخلفات الكيميائية في التربة.

لكن حماية الأرض لا يمكن أن تُترك لسلوك الأفراد فقط، فالتلوث الذي تصنعه منشأة صناعية أو مكب عشوائي لا تعالجه نصائح التوعية، بل يحتاج إلى دولة تراقب وتحاسب وتمنع تحول الأراضي السورية إلى مستودع مفتوح للنفايات.

فالتربة التي حملت السوريين لعقود وهي تنتج غذاءهم، تبدو اليوم بحاجة إلى من يحميها قبل أن تتحول بصمت إلى مصدر خطر جديد.

 

اقرأ أيضاً: الحراقات البدائية في سوريا: قنبلة موقوتة تهدد البيئة والصحة وسط صراع لقمة العيش

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.