الحكومة الانتقالية تستثمر «الفلتان الأمني» في سوريا 

داما بوست - يمان العبود

لا يبدو الواقع الأمني في الداخل السوري مستقراً قياساً على جملة من التفاصيل التي تحدث في مختلف المناطق السورية بما يؤكد عجز الحكومة الانتقالية في سوريا عن ضبط الأمن وإنهاء فوضى السلاح وملاحقة الخلايا التكفيرية التي تنفذ بين الحين والآخر عمليات في العمق السوري والتي كان آخرها التفجير الذي حدث في مقهى المحامين بالقرب من القصر العدلي وسط العاصمة دمشق، والذي راح ضحيته عدد من المدنيين بين قتيل وجريح، وينعكس فشل الانتقالية أمنياً من خلال الإجراءات المتخذة خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للعاصمة السورية حيث عملت القوى الأمنية لمنع السير ضمن الشوارع التي كان من المقرر أن يمر بها موكب الرئيس الفرنسي قبل ساعات من وصوله وذلك بهدف ضمان عدم وجود أي خلل أمني قد يربك الزيارة ويحرج دمشق أمام ضيفها خصوصاً والعالم عموماً، ولم يكن هذا الإجراء إلا نتاج عدم القدرة على إنهاء أي خطر أمني في العاصمة السورية أو سواها من المحافظات بالطرق الاعتيادية من قبل أجهزة الأمن في العالم.

إقرأ أيضاً: دمشق: هجوم مسلح على حاجز بجرمانا بعد يوم من تفجير شارع النصر

وتبدو ظاهرة فوضى السلاح التي تشهدها كل المناطق السورية واحدة من المظاهر التي تؤكد على أن دمشق بصورتها الحالية أعجز من أن تضبط الواقع الأمني في الأراضي السورية وتتسبب هذه الظاهرة بتحول أي خلاف شخصي بين اثنين إلى عملية اشتباك بالأسلحة الرشاشة وأحياناً القنابل اليدوية بما يخلف قتلى وجرحى بشكل مستمر إضافة لعمليات الثأر المستمرة التي تنفذ في مختلف الأراضي السورية مع الإشارة هنا إلى التراخي في الجرائم التي ترتكب على أساس طائفي خاصة في ريف محافظتي حمص وحماة مع استمرار الانتهاكات في مناطق الساحل السوري كما تسهم في ظاهرة فوضى السلاح التي تسمح بها الانتقالية في مناطق دون أخرى، باستمرار وجود الخلايا التي قد ترتبط بتنظيم داعش الإرهابي أو أي من التنظيمات المتجددة الأخرى فالبيئة السورية بشكلها الحالي مناسبة لنمو ظاهرة التشدد الديني خاصة وأن دمشق ترعى المؤسسات الدينية الداعية للتطرف والتي تنشط في مناطق شرق سوريا وحلب وحماة وتحاول اختراق المناطق التي تقطن فيها الأقليات في محاولة لجذب الشبان والفتيات بهدف توسيع قاعدة القوى الدينية المتطرفة في المجتمع السوري.

وقد يبدو أن من مصلحة الحكومة الانتقالية أن تترك السلاح بيد مؤيديها ليكونوا قوى عسكرية غير نظامية تقدم الإسناد المباشر للقوات الحكومية في أي اشتباك محتمل مع القوى السياسية التي تعارض دمشق داخلياً مثل قوات سوريا الديمقراطية في محافظة الحسكة والدروز في محافظة السويداء مع إمكانية توظيف المجموعات غير النظامية في أي معركة قد تحمل سمة طائفية بما يخفف من حدة اتهام الانتقالية بارتكاب الانتهاكات ضد الأقليات في سوريا ويبدو أن الانتقالية تقبل بضريبة مثل هذا الخيار والتي تنعكس من خلال الفلتان الأمني وازدياد معدل الجريمة لكنها قد لا تتحمل ما تفعله الخلايا الإرهابية من عمليات تفجير وخروقات أمنية في العاصمة أو سواها من المدن السورية والتي قد تكون مقدمة لظهور تنظيم إرهابي أشد عنفاً من تنظيم داعش وأكثر قدرة على تنفيذ العمليات الأمنية في المناطق التي تروج الانتقالية لأنها مناطق آمنة مثل العاصمة السورية.

وسط كل هذا يبدو الاقتصاد السوري هو القطاع الأكثر تأثراً بحالة الفلتان الأمني الذي تعيشه سوريا رغم محاولات وسائل الإعلام السورية وتلك التي تدعم الحكومة الانتقالية من وسائل الإعلام العربية أن تجعل من كل حدث على أنه حدث منفرد وغير مرتبط بظاهرة عامة، لكن المستثمرين الدوليين يدركون تماماً أن الواقع في سوريا لا يسمح نهائياً بدخول رأس المال الذي تحتاجه دمشق لإنعاش اقتصادها والخروج من جملة الأزمات التي تواجه البلاد منذ بدء سنوات الحرب وزادت حدتها منذ مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد بسبب عدم وجود موارد كافية لتلبية احتياجات الدولة، وعلى الرغم من أن دمشق تدرك هذه القضية بصورة دقيقة إلا أنها لا تستطيع أن تنهي حالة الفلتان الأمني ولا تتخذ أي إجراء من شأنه أن يكون مقدمة لعمل جاد لإنهاء هذه الحالة فهي تدرك تماماً أن مفاتيح الاستقرار في سوريا تبدأ بنزع السلاح من الأطراف المؤيدة لها وعدم السماح بتسلح أي جهة غير رسمية تحت أي مسمى كان، ولا يمكن للاِنتقالية أن تتخذ أي إجراء للحد من انتشار التطرف الديني في المناطق السورية وذلك لكونها تعتمد على شخصيات متطرفة في مفاصل الدولة الحساسة بما يجعل من الانتقالية راعياً أساسياً للتطرف في سوريا.

هكذا يبدو أن المشهد الأمني غير المستقر في الداخل السوري يكون نتاج ممارسات الحكومة الانتقالية التي تسعى لترسيخ وجودها في الحياة السياسية السورية لأطول فترة ممكنة أياً كانت الوسائل التي تحقق لها ذلك ولن يكون مفاجئاً أن تستثمر الحكومة الانتقالية في أي حدث أمني تنفذه الخلايا المتطرفة المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية التقليدية لتقوم بتوجيه الاتهام لخصومها السياسيين من القوى السياسية السورية أو حتى توجيه الاتهام لقوى من خارج سوريا كحزب الله بما يخلق حالة من التبرير السياسي والأمني لأي خطوة قد تتخذها الانتقالية في محاربة حزب الله إذا ما أصرت الولايات المتحدة الأمريكية على الدفع بمعركة بين دمشق وحزب الله داخل الأراضي اللبنانية، وقد يكون توجيه الاتهام للحزب بالوقوف وراء التفجير الذي استهدف مقهى المحامين هو نتاج التحقيقات التي تجريها وزارة الداخلية السورية حالياً بخصوص هذا الحدث.

إقرأ أيضاً: انفجارات في دمشق بالتزامن مع زيارة ماكرون

إقرأ أيضاً: ماكرون في دمشق.. ما الذي يريده..؟

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.