عودة عائلات سهل الغاب من المخيمات.. منازل مهدمة وخدمات غائبة تهدد الاستقرار
لم تكن العودة من مخيم الكرامة إلى بلدات سهل الغاب بريف حماة نهاية لسنوات النزوح بالنسبة لأكثر من مئتي عائلة، بل بداية لمواجهة واقع أكثر قسوة مما توقعته كثير من الأسر. فالمنازل التي يفترض أن تشكل نقطة الاستقرار الأولى، تحولت في مناطق عدة إلى أبنية مهدمة أو غير صالحة للسكن، فيما بقيت المياه والكهرباء والصرف الصحي والمدارس والخدمات الصحية دون المستوى الذي يسمح بعودة مستقرة.
وعادت 202 عائلة من مخيم الكرامة على دفعتين في الثاني والرابع من آب، توزعت على اللطامنة وكفرزيتا والزكاة والأربعين، مع تأمين مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وسائل النقل. لكن الوصول إلى البلدة لم يكن كافياً لبدء حياة جديدة، إذ وجدت أسر كثيرة نفسها أمام سؤال أكثر إلحاحاً: أين ستسكن وكيف ستؤمّن احتياجاتها الأساسية؟
من الخيمة إلى منزل مهدد بالسقوط
وصلت عنان الخالد إلى اللطامنة برفقة أسرتها المؤلفة من سبعة أشخاص، بينهم ثلاثة من الصم، لتجد منزلها مدمراً بالكامل. واضطرت الأسرة إلى الإقامة في منزل آخر خالٍ، لا تعرف حتى مصير أصحابه، فيما يفتقر البناء إلى الأبواب والنوافذ وتنتشر التشققات في جدرانه، بينما يثير سقفه مخاوف جدية مع اقتراب الشتاء.
تقول الخالد إن الأسرة لا تستطيع البقاء فيه طويلاً، لكنها لا تملك بديلاً. فالعودة التي اختارتها للخروج من ظروف المخيم الصعبة وضعت أفرادها أمام أزمة سكن وخدمات في آن واحد، من دون مدرسة قريبة أو نقطة طبية، ومع نقص في المياه والكهرباء والصرف الصحي.
الحال لا يختلف كثيراً لدى أبو عامر، الذي أمضى 14 عاماً نازحاً قبل عودته إلى اللطامنة. يعيش مع أسرته في منزل متضرر، فيما يعمل أبناؤه بالمياومة في جني المحاصيل لتأمين نفقات الحياة وشراء بعض مواد البناء. تمكنوا من وضع عدد محدود من اللبنات، لكن المنزل ما يزال يحتاج إلى سقف وأرضية ليصبح قابلاً للسكن.
عودة بلا مقومات الاستقرار
وفي كفرزيتا، تواجه خديجة المحيميد وشقيقتاها وبناتها الثلاث مشكلة أكثر حساسية، إذ يقمن في منزل بلا أبواب أو نوافذ، ما يحرم الأسرة من الحد الأدنى من الخصوصية والأمان.
أما في قرية الزكاة، فيشير عبد الرزاق إلى أن حجم الدمار والخدمات المتضررة كان أكبر مما توقعت أسرته. فالطرق ما تزال مليئة بالحفر وآثار القصف، وخدمات الكهرباء والمياه والصرف الصحي تحتاج إلى إعادة تأهيل، فيما تحتاج المدارس والمستوصفات إلى تجهيزات تسمح باستقبال السكان مجدداً.
ويؤكد أن عدداً كبيراً من أهالي القرية لا يزالون في المخيمات، بعدما وصلت إليهم معلومات عن ضعف الخدمات وغياب المساعدات الضرورية للاستقرار.
وهنا تبدو الفجوة واضحة بين “العودة” كرقم إداري والعودة كحياة قابلة للاستمرار. فإخراج الأسرة من المخيم وتأمين وسيلة نقل لها لا يعني أنها أصبحت قادرة على بناء حياة مستقرة، خصوصاً عندما تصل إلى منزل غير صالح للسكن ولا تملك دخلاً ثابتاً لإصلاحه.
أكثر من 70 ألف عائلة عائدة.. وماذا بعد؟
تقول مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في حماة إنها تابعت عودة أكثر من 70 ألف عائلة خلال العام الحالي، وتعتمد 762 لجنة مجتمعية في مناطق العودة لحصر بيانات الأسر واحتياجاتها.
لكن المديرية لم تقدم مساعدات مباشرة للعائلات العائدة من مخيم الكرامة، مكتفية بتسجيل الاحتياجات وتوجيه الجهات والمنظمات الراغبة بالدعم إليها وفق البيانات المتوافرة.
ويحذر الناشط المجتمعي محمد نور الأفندي من اختزال ملف العودة بعدد العائلات التي غادرت المخيمات، معتبراً أن المعيار الحقيقي هو قدرة الأسرة على البقاء بعد وصولها. فالعودة إلى منزل مهدّم بلا ماء أو كهرباء أو صرف صحي، ومن دون مصدر دخل يعين الأسرة على ترميمه، قد لا تكون سوى انتقال من شكل من أشكال النزوح إلى آخر.
وتحتاج عائلات سهل الغاب العائدة إلى أكثر من قوافل نقل وإحصاءات؛ فهي تحتاج إلى مساكن آمنة، وشبكات خدمات تعمل، ومدارس ومراكز صحية، وفرص دخل تسمح لها بإعادة بناء حياتها. ومن دون ذلك، تبقى العودة خطوة جغرافية لا ترقى إلى الاستقرار، وتظل الأسر أمام احتمال العودة مجدداً إلى النزوح عندما تصبح كلفة البقاء أكبر من قدرتها على الاحتمال.
اقرأ ايضاً: فيضانات تغمر مخيمات النازحين في إدلب وتعيد ملف السكن البديل إلى الواجهة