صناعة الشمال السوري بين وعود التعافي واختناق الطاقة.. هل تكفي التسهيلات لإنقاذ المصانع؟
يحاول القطاع الصناعي في الشمال السوري استعادة موقعه بعد أكثر من عقد من الاضطرابات التي أضعفت سلاسل الإنتاج وأرهقت بيئة الاستثمار، إلا أن الطريق نحو التعافي ما يزال محفوفاً بعقبات تجعل كثيراً من المصانع تعمل في ظروف أقرب إلى البقاء منها إلى النمو.
وفي الوقت الذي تسجل فيه المدينة الصناعية في باب الهوى نشاطاً متزايداً، تواجه المدن الصناعية في ريف حلب تحديات أعمق، أبرزها ضعف مقومات الإنتاج، وغياب بيئة صناعية متكاملة، وصعوبة المنافسة أمام المدن الصناعية الكبرى، وعلى رأسها مدينة حلب التي ما تزال تمتلك إرثاً صناعياً واسعاً وبنية أكثر رسوخاً.
قرارات حكومية.. وتأثير محدود في أرض الواقع
أعلنت الحكومة السورية الانتقالية خلال الفترة الماضية عدداً من الإجراءات لدعم القطاع الصناعي، شملت إعفاء خطوط الإنتاج الجديدة من الرسوم الجمركية، وتخفيض الرسوم على بعض المواد الأولية المستوردة، إضافة إلى خطوات للتحول الرقمي بهدف تقليل الإجراءات الإدارية وتخفيف البيروقراطية.
ورغم أهمية هذه الإجراءات، يرى صناعيون وخبراء أنها لا تزال أقل من حجم الأزمة التي يعانيها القطاع، إذ ما تزال تكاليف الطاقة والمواد الأولية والعقبات اللوجستية تشكل عائقاً أمام توسع الإنتاج، في وقت تحتاج فيه الصناعة إلى قرارات أكثر جرأة تعيد بناء قدرتها التنافسية.
وكانت وزارة الطاقة قد أعلنت مؤخراً تخفيض سعر طن الفيول الصناعي من 475 دولاراً إلى 400 دولار، باعتباره خطوة لتخفيف أعباء الإنتاج.
ويعتبر مدير عام مدينة باب الهوى الصناعية المهندس فادي الخطيب أن القرار يمثل دعماً مهماً للصناعة، باعتبار الطاقة أحد العناصر الأساسية في تحديد تكلفة المنتج، مشيراً إلى أن انخفاض تكاليف التشغيل ينعكس على قدرة المصانع على المنافسة.
لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن مطالب الصناعيين لا تتوقف عند الفيول، بل تشمل تخفيض أسعار الكهرباء الصناعية، وتقليل الرسوم على المواد الخام، وتقديم حوافز أكبر للمنتجات الموجهة إلى الأسواق الخارجية.
باب الهوى.. تجربة تنمو وسط نقص الخدمات
تضم مدينة باب الهوى الصناعية 256 مقسماً صناعياً، يعمل فيها نحو 100 مصنع موزعة بين قطاعات الهندسة والكيميائيات والغذائيات والأدوية والبلاستيك والنسيج، على مساحة تتجاوز 52 هكتاراً.
ورغم حداثة التجربة مقارنة بالمدن الصناعية الكبرى، تمكنت المدينة من إنتاج نحو 5 بالمئة من إجمالي إنتاج المصانع في المدن الصناعية السورية، كما بدأت بعض منشآتها بتصدير منتجاتها إلى الخارج.
لكن هذا النمو يصطدم بعقبات أساسية، في مقدمتها الحاجة إلى محطة تحويل كهربائية خاصة تضمن استقرار التغذية، إضافة إلى نقص المساحات المخصصة للتوسع والمستودعات والخدمات المساندة.
ويرى الخطيب أن تأمين البنية التحتية ليس تفصيلاً ثانوياً، بل شرط أساسي لاستمرار الاستثمار وجذب منشآت جديدة.
مدن ريف حلب.. إمكانات كبيرة ومشكلات متراكمة
في ريف حلب، تنتشر ست مدن صناعية في جرابلس والباب والراعي وأعزاز ومارع وأخترين، وقد لعبت دوراً مهماً في تنشيط الاقتصاد المحلي خلال السنوات الماضية، مستفيدة من قربها من الحدود التركية.
لكن هذه المدن تواجه تحديات تحد من قدرتها على التحول إلى مراكز إنتاج حقيقية، أبرزها نقص العمالة، واضطراب سلاسل التوريد، واعتماد العديد من المصانع على المواد الأولية المستوردة.
ويشير الخبير الاقتصادي عبد الحكيم المصري إلى أن أثر تخفيض سعر الفيول سيكون محدوداً على معظم مصانع ريف حلب، لأن الكهرباء تمثل مصدر الطاقة الرئيسي فيها، مؤكداً أن الأولوية يجب أن تكون لمعالجة واقع الكهرباء الصناعية وخفض تكلفتها.
ويضيف أن دعم الصناعة يحتاج إلى رؤية متكاملة تشمل تخفيض الرسوم الجمركية على مستلزمات الإنتاج، حماية المنتج المحلي من المنافسة غير المتوازنة، وتشجيع تصنيع المواد الأولية داخل سوريا بدلاً من استمرار الاعتماد على الاستيراد.
صناعة تبحث عن بيئة لا عن قرارات مؤقتة
تكشف أوضاع المدن الصناعية في الشمال السوري أن المشكلة لا تكمن فقط في غياب القرارات، بل في غياب منظومة صناعية متكاملة قادرة على تحويل التسهيلات إلى إنتاج فعلي.
فالصناعة التي خرجت من سنوات طويلة من التراجع لا تحتاج إلى حلول جزئية أو إجراءات موسمية، بل إلى سياسة اقتصادية واضحة تعالج الكهرباء والطاقة والتمويل وسلاسل التوريد معاً.
وبينما تحاول الحكومة السورية الانتقالية تقديم خطوات دعم للقطاع، يبقى التحدي الأكبر في تحويل هذه الخطوات إلى واقع ملموس، لأن المصانع لا تُبنى بالقرارات وحدها، بل ببيئة مستقرة تمنح المستثمر والصناعي القدرة على التخطيط والاستمرار.
اقرأ أيضاً: اقتصاد حلب بين الواقع والتحديات: هل تتحول “العاصمة الاقتصادية” إلى مجرد ممر تجاري؟