ألبسة الأطفال في سوريا.. رفاهية مؤجلة تحت ضغط الأسعار وتراجع القدرة الشرائية
لم تعد ألبسة الأطفال في الأسواق السورية مجرد حاجة موسمية مرتبطة بالنمو وتبدّل الفصول، بل تحولت إلى عبء جديد يضاف إلى قائمة طويلة من الأعباء التي تثقل كاهل الأسر، في ظل فجوة تتسع يوماً بعد آخر بين أسعار السلع ومستويات الدخل.
ففي أسواق دمشق وريفها، تبدو حركة البحث عن ملابس الأطفال أكثر نشاطاً من حركة الشراء نفسها؛ عائلات تدخل المحال، تسأل عن الأسعار، تعيد الحسابات بصمت، ثم تغادر بعدما تصطدم بأرقام تتجاوز قدرتها الشرائية. وبينما تحاول بعض المتاجر جذب الزبائن عبر التخفيضات والعروض، تبقى الأسعار في مستويات تجعل تأمين كسوة الأطفال معركة اقتصادية جديدة للأسر السورية.
أسواق مزدحمة.. وشراء مؤجل
خلال جولة في أسواق الحمراء والصالحية والحميدية بدمشق، إضافة إلى جرمانا وصحنايا في ريف دمشق، تظهر صورة متشابهة: أسعار مرتفعة، وعائلات تبحث عن البدائل الأقل كلفة.
ويتراوح سعر طقم الأطفال الواحد بين 3500 و8000 ليرة جديدة، وفق الجودة والعلامة التجارية ومكان البيع، فيما تجاوزت أسعار الأحذية حاجز 2500 ليرة، لتصل في بعض المحال إلى نحو 5000 ليرة.
وبهذه الأسعار، تحتاج الأسرة التي لديها طفلان إلى ما يقارب 20 ألف ليرة جديدة لتأمين ملابس جديدة فقط، وهو رقم بات يمثل عبئاً كبيراً في ظل واقع معيشي يعاني فيه المواطنون أصلاً من ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والخدمات.
تقول ليلى الحلبي، وهي معلمة وأم لطفلين، إن شراء الملابس الجديدة لم يعد أمراً مضموناً كما كان سابقاً، موضحة أن ارتفاع الأسعار دفعها إلى تقليص مشترياتها والاكتفاء بالضروريات.
أما خلدون قريط، وهو أب لأربعة أطفال، فيشير إلى أن كثيراً من الأسر باتت تلجأ إلى الملابس المستعملة المعروفة محلياً بـ”البالة”، ورغم ذلك لا تتمكن من تأمين كامل احتياجات أطفالها.
التاجر يشكو.. والمستهلك يدفع الثمن
رغم ازدحام الأسواق، يؤكد أصحاب المحال أن الحركة التجارية لا تعكس حجم الحضور في الشوارع، إذ يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار دون إتمام عمليات الشراء.
ويرى عمر الحموي، صاحب محل ألبسة في شارع الحمراء، أن الأسعار الحالية باتت مرتفعة مقارنة بدخول المواطنين، مشيراً إلى أن التجار أنفسهم يواجهون ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والضرائب، إلا أن المستهلك يبقى الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
في المقابل، يوضح رئيس القطاع النسيجي في غرفة صناعة دمشق وريفها نور الدين سمحا أن تسعير ملابس الأطفال لا يرتبط فقط بكمية القماش المستخدمة، بل بمنظومة إنتاج كاملة تشمل التصميم والخياطة والتشطيب والتغليف والنقل والتسويق.
ويشير إلى أن ملابس الأطفال تحتاج في كثير من الأحيان إلى دقة أعلى في التصنيع بسبب طبيعة الخامات المطلوبة وحساسية استخدامها، إضافة إلى ارتفاع تكاليف المواد الأولية وتقلبات السوق.
لكن هذه التبريرات، رغم ارتباطها بواقع الصناعة، لا تلغي السؤال الأوسع حول قدرة السوق المحلية على توفير منتجات بأسعار تتناسب مع دخل الأسر، في ظل غياب حلول اقتصادية تعالج جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بتفسير ارتفاعاتها.
رقابة محدودة أمام سوق مضطرب
تؤكد مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في دمشق استمرار جولاتها الرقابية لضبط الأسعار والتأكد من الإعلان عنها ومتابعة الفواتير والالتزام بالأنظمة التجارية.
وقال مدير المديرية غياث البكور إن أسعار ملابس الأطفال تتأثر بعوامل متعددة، بينها تكاليف المواد الأولية والعرض والطلب، إضافة إلى اختلاف جودة المنتجات والمقاسات.
إلا أن الإجراءات الرقابية، رغم أهميتها، تبدو محدودة الأثر أمام واقع اقتصادي أكثر تعقيداً؛ إذ إن ضبط المخالفات التجارية لا يعالج وحده مشكلة تراجع القدرة الشرائية، ولا يجيب عن السؤال الأساسي: كيف تستطيع الأسرة السورية تأمين احتياجات أطفالها في سوق ترتفع فيه الأسعار بوتيرة أسرع من الدخول؟
أزمة تتجاوز قطعة الملابس
تكشف أزمة ألبسة الأطفال عن صورة أوسع للاقتصاد السوري، حيث تتحول الاحتياجات الأساسية تدريجياً إلى بنود قابلة للتأجيل، حتى تلك المرتبطة بالأطفال.
وبين ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف الرقابة الفعالة وتراجع دخل الأسر، يبقى المواطن عالقاً بين سوق يفرض أسعاره، وسياسات اقتصادية لم تتمكن حتى الآن من إعادة التوازن بين كلفة الحياة وقدرة الناس على تحمّلها.
وفي ظل استمرار الحكومة السورية الانتقالية في مواجهة تحديات إعادة بناء الاقتصاد والأسواق، فإن معالجة ملف الأسعار لا يمكن أن تبقى رهينة إجراءات جزئية، بل تحتاج إلى سياسات أوسع تستهدف خفض تكاليف الإنتاج، ودعم الصناعة المحلية، وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، قبل أن تصبح أبسط احتياجات الأطفال عبئاً جديداً لا تستطيع كثير من الأسر تحمله.
اقرأ أيضاً: صناعة الألبسة في حلب: منافسة غير متكافئة وصرخات استغاثة من “غزو” المستورد