هل يمثل مجلس الشعب السوري الجديد تحولاً ديمقراطياً أم إعادة تدوير للسلطة؟
يمثل مجلس الشعب السوري الجديد محاولة من قِبل السلطة الانتقالية لصناعة واجهة تمنح المرحلة الحالية مظهراً تمثيلياً، دون وجود مؤشرات ملموسة على انتقال فعلي نحو مشاركة سياسية واسعة. هذه المؤسسة التي تُقدَّم بوصفها خطوة نحو إعادة بناء الحياة العامة، تولد محاطة بسؤال جوهري: هل تعكس إرادة المجتمع السوري، أم تكتفي بإعادة ترتيب السلطة داخل قالب برلماني جديد؟
بنية هجينة: تفاصيل تشكيل المجلس ومصدر الشرعية
جاء الإعلان عن برلمان مكون من 210 أعضاء ليكشف عن بنية سياسية هجينة تمزج بين الانتقاء والتمثيل المحدود، وتتوزع آليات اختيارهم على النحو التالي:
-
ثلثا الأعضاء (140 مقعداً): يجري اختيارهم عبر هيئات ناخبة محلية ومحدودة.
-
الثلث المتبقي (70 مقعداً): يتم تعيينهم بقرار رئاسي مباشر من السلطة التنفيذية.
تمنح هذه الصيغة البلاد إطاراً مؤسسياً يسد الفراغ، لكنها في الوقت ذاته تُضعف جوهر الفكرة البرلمانية القائمة على التفويض الشعبي المباشر؛ فحين لا يكون المواطن هو الناخب الأصلي، وتملك السلطة التنفيذية حق تعيين ثلث المجلس، يتحول البرلمان إلى مؤسسة انتقال مدارة من الأعلى، ويصبح عاجزاً عن ممارسة رقابة حقيقية على سلطة شاركت أساساً في تشكيله.
بين ذريعة “الاستثناء” ومعضلة غياب الاقتراع المباشر
تستند السلطة الانتقالية إلى حجة عملية لتبرير هذه الآلية غير المباشرة، وهي أن مخلفات الحرب تجعل تنظيم اقتراع عام ومباشر مهمة شديدة التعقيد. وفي حين أن هذه الحجة تفسر اللجوء المؤقت لهيئات ناخبة، إلا أنها لا تمنح العملية شرعية ديمقراطية مكتملة.
إن جوهر الإشكال يكمن في “هوية الناخب”؛ فالعملية تحولت إلى انتخابات داخل نخب محلية منتقاة. ومع غياب الشفافية في آليات تشكيل تلك الهيئات الناخبة، تتقلص قدرة المجلس على ادعاء تمثيل الإرادة العامة للسوريين.
“الثلث الرئاسي” وتحدي دمج الأطراف (السويداء نموذجاً)
يمنح تعيين 70 عضواً السلطة التنفيذية وزناً ومظلة بنيوية قوية داخل المؤسسة التشريعية، مما يقلب العلاقة الطبيعية بين البرلمان والرئاسة. ورغم أن التعيينات الرئاسية حسنت تمثيل بعض الفئات والنساء رقمياً، إلا أنه تمكين فوقي وليس نتاج ضمانات انتخابية مستقرة؛ مما يجعله قابلاً للتعديل أو التراجع بقرار مركزي آخر.
على صعيد آخر، يبرز ملف تأجيل مقاعد محافظة السويداء، وبقاء تمثيل بعض المناطق مرهوناً بالظروف الأمنية، كاختبار حقيقي لقدرة الدولة الانتقالية على إدماج الأطراف. فالتمثيل الشكلي للمناطق المتوترة عبر التعيين من المركز لا يعوض عن شراكة ومسار سياسي وحوار محلي حقيقي يربط الأطراف بالعقد الاجتماعي الجديد.
مخاطر تحول “المؤقت” إلى نظام حكم دائم
تكمن الخطورة الوجودية للمؤسسات المؤقتة في المراحل الانتقالية في تحولها إلى نظام حكم طويل الأمد. لن يكون معيار الحكم على مجلس الشعب السوري الجديد بكثافة التشريعات أو عدد الجلسات، بل في قدرته على:
-
تفكيك منطق المرحلة الاستثنائية والتمهيد لقوانين انتخابية عادلة.
-
الانتقال بالبلاد من التعيين والانتقاء إلى الاقتراع العام والتنافسية المفتوحة.
-
منع تحويل المؤسسة إلى واجهة قانونية تمنح السلطة التنفيذية غطاءً مؤسسياً أوسع.
خلاصة: مؤسسة تثبيت أم جسر عبور؟
يكشف مجلس الشعب السوري الجديد طبيعة اللحظة الانتقالية بكل تناقضاتها؛ فهو يملأ فراغاً مؤسسياً واضحاً، لكنه يولد بآلية لا تمنحه شرعية تمثيلية مكتملة. إن الاستقرار في المراحل الانتقالية لا يصمد إذا بني على تضييق المشاركة السياسية والاعتماد على القبول الاضطراري. فالسوريون لا يحتاجون إلى مؤسسة تحمل اسم البرلمان فحسب، بل إلى طريق واضح نحو تفويض شعبي واسع يمنع عودة الاحتكار السياسي بواجهة جديدة.
إقرأ أيضاً: تأجيل أولى جلسات مجلس الشعب بسبب زيارة ماكرون.. الاستحقاقات الداخلية تتراجع أمام الأولويات الخارجية
إقرأ أيضاً: استطلاع: 14% فقط يعتبرون مجلس الشعب ممثلاً للسوريين وتراجع في تأييد أداء الحكومة