قمة لبنانية سورية مرتقبة: نواف سلام يزور دمشق السبت
تتجه الأنظار مطلع الأسبوع المقبل إلى العاصمة السورية دمشق، حيث من المقرر أن يستقبل الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يوم السبت الموافق 9 مايو/ أيار 2026، وتأتي هذه الزيارة في توقيت إقليمي شديد الحساسية
إذ تتقاطع الحسابات العسكرية الميدانية مع مسارات تفاوضية معقدة، وسط محاولات دولية وإقليمية لإعادة صياغة خرائط النفوذ في منطقة شرق المتوسط
وبحسب تقرير خاص نشره موقع “عربي بوست“، فإن اللقاء يتجاوز في جوهره الطابع التنسيقي التقليدي، ليحمل محاولة استراتيجية لإعادة ضبط العلاقات الثنائية ضمن معادلة جديدة تفرضها التهديدات العسكرية للاحتلال الإسرائيلي والضغوط المتزايدة من واشنطن، بهدف التصدي لمساعي سلطات الاحتلال الرامية لتفكيك الملفات الإقليمية والاستفراد بكل جبهة على حدة، مما يجعل الزيارة اختباراً حاسماً لقدرة البلدين على تثبيت إطار تفاوضي مشترك يحفظ التوازن، أو الانزلاق نحو مسار التفكك التدريجي الذي يمهد لفرض وقائع احتلالية جديدة على الأرض.
من التباين السياسي إلى ضرورة التنسيق الميداني
شهدت الأشهر الماضية بروز فجوة في المقاربات السياسية بين بيروت ودمشق حيال ملف التفاوض، حيث مالت الحكومة اللبنانية تحت وطأة الضغوط الداخلية والأزمات الاقتصادية والوساطات الأمريكية نحو خيار القنوات المنفصلة أو التفاوض المباشر مع الاحتلال الإسرائيلي، في حين تمسكت دمشق بضرورة وجود إطار سياسي شامل يربط المسارات لمنع الاستفراد بأي طرف
ونقل التقرير عن مصادر دبلوماسية سورية تأكيدها أن هذا التباين لم يعد ممكناً في ظل تصاعد وتيرة اعتداءات جيش الاحتلال في جنوب لبنان والقنيطرة، ومحاولة تل أبيب فرض واقع “التفاوض تحت النار”
ويهدف اللقاء المرتقب بين نواف سلام والشرع إلى تثبيت مبدأ “لا تفاوض منفصلاً”، مستنداً إلى الدروس المستفادة من تجربة دمشق في عام 2025 عندما دخلت في مسار تفاوضي مع الاحتلال قبل أن تنسحب منه نتيجة اختلال موازين القوى، وهو ما تراه سوريا نموذجاً تحذيرياً للبنان الذي يواجه ظروفاً أمنية وسياسية بالغة التعقيد.
جذور الامتعاض السوري وهواجس التموضع اللبناني الجديد
في الكواليس الدبلوماسية، تسود حالة من العتب والامتعاض في دمشق تجاه الخيارات السياسية التي اتخذتها بيروت مؤخراً، لا سيما مواقف رئيس الجمهورية جوزيف عون التي اعتبرتها الأوساط السورية خروجاً عن ثوابت التنسيق التاريخي، ووفقاً لما أوردته مصادر دبلوماسية عربية للموقع نفسه، فإن ملف ترسيم الحدود البحرية مع قبرص كان النقطة التي أفاضت الكيل، حيث تحركت بيروت فيه بشكل منفرد متجاهلة الترابط الجغرافي والسياسي مع الجانب السوري
وتخشى دمشق من أن يكون هذا التحرك جزءاً من انخراط لبناني تدريجي في تحالف إقليمي يضم اليونان والاحتلال الإسرائيلي والإمارات، وهو ما يضع لبنان في تموضع أمني وسياسي يتعارض مع المصالح الاستراتيجية السورية والتركية على حد سواء، مما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى عزل لبنان عن عمقه الجغرافي الطبيعي وتحويله إلى ساحة مكشوفة أمام ضغوط الاحتلال الإسرائيلي.
مواجهة “الخط الأصفر” ومشاريع إعادة رسم الجغرافيا الأمنية
على الصعيد الميداني، يبرز تهديد مشترك يتمثل في المشروع الذي تروج له تسريبات الاحتلال الإسرائيلي تحت مسمى “الخط الأصفر”، والذي يهدف إلى ربط مناطق نفوذ جيش الاحتلال بين جنوب لبنان وأجزاء من الجنوب السوري، وتؤكد المصادر السورية أن هذا المشروع يسعى لتغيير الخرائط الجغرافية عبر السيطرة على الممرات الحدودية الحيوية وفرض واقع أمني يصعب تغييره مستقبلاً، حيث يستغل الاحتلال حالة السيولة السياسية لتكثيف عملياته في ريفي القنيطرة ودرعا بالتزامن مع عدوانه على الجنوب اللبناني، مما يجعل من تنسيق الجهود بين دمشق وبيروت ضرورة قصوى لمنع تثبيت هذا الحزام الأمني الذي سيؤدي في حال نجاحه إلى إضعاف السيادة في البلدين وتحويل حدودهما المشتركة إلى ثغرة استراتيجية دائمة لصالح الكيان المحتل.
حراك إقليمي لكسر الاحتكار الأمريكي لملفات المنطقة
بالتوازي مع التحرك الثنائي، كشفت مصادر حكومية لبنانية لـ “عربي بوست” عن وجود حراك تقوده قوى إقليمية وازنة تضم تركيا والسعودية وقطر ومصر، يهدف إلى خلق “مظلة أمان” تمنع انهيار التوازنات القائمة، ويتضمن هذا الحراك طرح بدائل ومقترحات ميدانية تشمل نشر قوات متعددة الجنسيات في مناطق الاشتباك لضبط القواعد الأمنية، وتسعى أنقرة تحديداً لتوسيع دورها عبر الانخراط في المسارين السوري واللبناني وتقديم دعم سياسي وأمني لبيروت، بينما يصر الاحتلال الإسرائيلي على رفض هذه المقاربات الإقليمية متمسكاً بحصر الرعاية في الجانب الأمريكي لضمان التحكم الكامل في شروط أي اتفاق مستقبلي بما يخدم مصالحه التوسعية ويحرم لبنان وسوريا من أي أوراق قوة إضافية.
لبنان على مفترق الطرق: العودة للمسار المشترك أو الحياد المكلف
يجد لبنان نفسه اليوم منقسماً داخلياً حيال هذه التطورات، حيث تضغط قوى سياسية نحو تسوية سريعة مع الاحتلال الإسرائيلي لتخفيف الأعباء العسكرية والاقتصادية، بينما يحذر آخرون من أن التسرع سيؤدي إلى إذعان لشروط الاحتلال، وفي هذا السياق، تبرز من جديد دعوات للعودة إلى مبدأ “وحدة المسار والمصير” مع سوريا والانضمام إلى تكتل إقليمي يضم قوى مثل تركيا والسعودية لمواجهة سياسة الاستفراد الإسرائيلية
وتأتي زيارة نواف سلام إلى دمشق، كما أوضح التقرير، كمحاولة لرسم سقف تفاوضي موحد يمنع تهميش الدور اللبناني، فإما أن تنجح القمة في تحويل لبنان إلى شريك فاعل في صياغة توازنات المنطقة، أو أن الفشل سيفتح الباب أمام سيناريوهات قاتمة تشمل التفكك الميداني والرضوخ للواقع الجغرافي الجديد الذي تسعى حكومة بنيامين نتنياهو لفرضه بقوة السلاح.
اقرأ أيضاً:استراتيجية الخط الأصفر: هل تفرض إسرائيل واقعاً جغرافياً جديداً في الجنوب السوري؟
اقرأ أيضاً:تنسيق سوري لبناني رفيع المستوى لمواجهة التحديات الإقليمية المتسارعة