إنهاء تكليف طبيب في صحة دير الزور بعد جدل حول منشورات قديمة منسوبة إليه
لم يحتج تكليف طبيب بمنصب إداري في مديرية صحة دير الزور سوى أيام قليلة حتى يتحول إلى قضية عامة، بعدما أثارت منشورات قديمة منسوبة إليه جدلاً حول مواقفه السياسية السابقة، وانتهت مديرية الصحة إلى إنهاء تكليفه من جميع المهام الموكلة إليه، مع استكمال إجراءات إنهاء التعاقد معه.
وبحسب القرار المتداول، لم تقدم المديرية توضيحاً مفصلاً لأسباب إنهاء التكليف، كما لم تحدد ما إذا كانت الخطوة جاءت نتيجة مراجعة إدارية أو تدقيق في خلفية الطبيب أو بسبب الجدل الذي أثارته المنشورات المتداولة. وبينما أُغلق التكليف إدارياً، بقي السؤال الأهم مفتوحاً: لماذا لم تُحسم هذه المسائل قبل صدور قرار التعيين؟
تعيين بلا تدقيق.. ثم تراجع تحت الضغط
برز اسم الطبيب عبد العزيز خالد الجدوع في دير الزور بعد إعلانه عبر حسابه في “فيسبوك” تكليفه برئاسة دائرة المنشآت الصحية في المديرية، موجهاً الشكر إلى إدارة الصحة على الثقة الممنوحة له.
لكن الإعلان سرعان ما واجه اعتراضات من ناشطين تداولوا منشورات وصوراً قديمة قالوا إنها تعود إلى حساب الطبيب، وتحمل مواقف سياسية مؤيدة للنظام السوري السابق وشخصيات عسكرية مرتبطة به.
غير أن الخلط بين الموقف السياسي وبين المسؤولية القانونية يظل مسألة جوهرية في أي عملية تدقيق. فالتعبير عن رأي سياسي، مهما كان مثاراً للجدل أو مخالفاً لمزاج البيئة المحيطة، لا يكفي وحده لإثبات ارتكاب جريمة، ما لم يقترن بفعل يجرّمه القانون أو يتضمن تحريضاً أو مشاركة في انتهاكات.
ومن هنا، فإن المشكلة لا تبدو في وجود رأي سياسي مختلف بقدر ما تكشفه الواقعة عن غياب معايير معلنة وثابتة تحكم الوصول إلى المناصب العامة.
الحكومة الانتقالية أمام اختبار الشفافية
في المؤسسات التي يفترض أن تكون نواة لدولة جديدة، لا يمكن أن تظل قرارات التعيين رهينة ردود الفعل الشعبية أو منصات التواصل الاجتماعي. فالتكليف ثم التراجع عنه بعد تصاعد الجدل يعكسان، قبل أي شيء، هشاشة آليات الاختيار والتدقيق داخل الإدارة العامة.
وكان الأجدى أن تسبق قرارات التعيين عملية واضحة للتحقق من السيرة المهنية للمرشحين، وخبراتهم، وأهليتهم الإدارية، وأي وقائع قانونية يمكن أن تؤثر في شغلهم للمناصب، مع ضمان عدم تحويل الاختلاف السياسي إلى معيار إقصاء غير منضبط.
فالمرحلة الانتقالية تحتاج إلى مؤسسات تستند إلى قواعد معلنة، لا إلى قرارات متسرعة تتغير تحت ضغط الشارع. وغياب هذه القواعد يفتح الباب أمام ازدواجية خطرة: قبول الشخص حيناً، ثم استبعاده حين تتبدل المزاجات والضغوط.
بين المحاسبة وحرية الرأي
لا تعني الدعوة إلى التدقيق في شاغلي المناصب العامة منح الإدارة حق محاكمة الناس على آرائهم. وفي المقابل، فإن أي شخص يتولى منصباً عاماً يجب أن يخضع للمعايير القانونية والمهنية نفسها التي تنطبق على غيره.
وتبقى المسؤولية على الحكومة الانتقالية في صياغة هذا التوازن بوضوح: محاسبة من تثبت مخالفته للقانون، وحماية حق الأفراد في التعبير عن مواقفهم السياسية، بعيداً عن الإدانة بمجرد الانتماء إلى رأي أو موقف سابق.
وبذلك، فإن قضية الجدوع تتجاوز اسم طبيب وتكليفاً إدارياً انتهى سريعاً، لتكشف مأزقاً أكبر في بناء المؤسسات السورية الجديدة: كيف تُدار التعيينات بعيداً عن الارتجال، وكيف تُصان حرية الرأي من جهة، وتُضمن نزاهة وكفاءة شاغلي المناصب العامة من جهة أخرى؟
وما لم تضع الحكومة الانتقالية قواعد واضحة وشفافة لهذه العملية، ستبقى المؤسسات عرضة للاهتزاز مع كل جدل جديد، وسيظل القرار الإداري أسير ردود الفعل بدلاً من أن يكون نتاجاً لمعايير مؤسسية مستقرة.
اقرأ أيضاً: إعفاء مدير صحة درعا زياد المحاميد يثير جدلاً واسعاً.. وانتقادات من الكوادر الطبية لقرار وزارة الصحة