الحمى القلاعية تضرب أغنام درعا.. نفوق واسع وكلفة التلقيح تثقل المربين

لم تعد تربية المواشي في درعا مجرد مصدر دخل تقليدي للأسر الريفية، بل تحولت إلى نشاط يواجه خسائر متراكمة من كل الجهات: أعلاف باهظة، مياه شحيحة، أدوية مرتفعة الثمن، وأسعار حليب لا تكفي لتغطية الكلفة. ومع عودة الحمى القلاعية إلى قطعان الأغنام منذ مطلع آب، أضيف المرض إلى قائمة طويلة من الأعباء التي تدفع المربين تدريجياً إلى تقليص قطعانهم أو التخلص منها.

في ريف درعا الغربي، خسر أحمد شهاب 15 رأساً من قطيعه بعد إصابتها بالحمى القلاعية. ظهرت الأعراض على شكل عرج وتشقق في الأظلاف، قبل أن تتأكد الإصابة بالفحص البيطري، بينما أصيبت بقية الأغنام بالهزال وتراجع إنتاج الحليب، ما ترك المربي أمام خسارة مزدوجة: نفوق جزء من القطيع وتكاليف علاج الجزء الآخر.

ولم يكن شهاب حالة منفردة؛ إذ خسر قصي الحشيش نحو 20 رأساً، معظمها من المواليد الجديدة، في وقت يقول مربون إن الفواصل الزمنية بين موجات الإصابة أصبحت أقصر من السابق.

المرض يعود.. والمربي يتحمل الفاتورة

يقول الطبيب البيطري إياد ذيب إنه رصد نحو 50 إصابة في قرية العجمي وحدها، إلى جانب عشرات الحالات لدى مربين آخرين في ريف درعا الغربي. وتشمل أبرز الأعراض الهزال، وتشقق الأظلاف، وظهور البثور في الفم وتراجع الشهية، بينما يعتمد العلاج على خافضات الحرارة والعناية بالحيوانات المصابة.

لكن المشكلة لا تقف عند العلاج. فالقطيع المصاب يخسر من وزنه وإنتاجه، وتزداد خسائر المربي مع نفوق الحملان الصغيرة أو تراجع إنتاج الحليب، في قطاع أصلاً يعاني ارتفاع أسعار العلف والتبن والأدوية ومياه الشرب.

ويبلغ عدد الأغنام في درعا، وفق دائرة الصحة الحيوانية، نحو 779 ألف رأس، مقابل 43 ألفاً و264 رأساً من الأبقار و119 ألفاً و54 من الماعز، ما يجعل أي موجة مرضية واسعة تهديداً مباشراً لقطاع يعتمد عليه عدد كبير من سكان الريف.

اللقاح بين الشك والكلفة

تكشف شهادات المربين تبايناً في الثقة بالتحصين. فأحمد شهاب يقول إن بعض الأغنام أصيبت رغم تلقيحها، ويرجح أن يكون سوء حفظ اللقاح، الذي يحتاج إلى ظروف تبريد مناسبة، أحد أسباب ضعف فعاليته.

في المقابل، يقول قصي الحشيش إن الأغنام الملقحة في قطيعه لم تصب، بينما يؤكد زهير مناجرة أن تحصين قطيعه على نفقته الخاصة حماه من الإصابة، بكلفة بلغت نحو 100 ليرة للرأس.

ويشير الطبيب ذيب إلى وجود عترات متعددة للحمى القلاعية، بينها SAT1 وSAT2 وSAT3، موضحاً أن لقاحاً تركياً مناسباً لهذه العترات أظهر نتائج جيدة لدى الأبقار. لكنه يلفت إلى أن تلقيح الأغنام أكثر كلفة بسبب ضخامة القطعان، إذ يتجاوز متوسط القطيع لدى بعض المربين 200 رأس.

وتوصي الصحة البيطرية بالتلقيح كل ستة أشهر وعزل الحيوانات المصابة، مع التحذير من شراء المواشي من الأسواق، إذ يمكن أن تستمر فترة حضانة الفيروس بين يومين وثمانية أيام قبل ظهور الأعراض.

أبقار محصنة.. وقطاع يتراجع

تبدو الأبقار أقل تأثراً في الموسم الحالي، إذ يقول مربون إن حملات التحصين ساهمت في الحد من الإصابات. ويؤكد رئيس دائرة الصحة والإنتاج الحيواني في درعا محمد الجوابرة أن المرض ما يزال، وفق تقييم المديرية، ضمن حدود السيطرة، مع تسجيل حالات خفيفة لدى الأبقار مقارنة بسنوات سابقة.

وأعلنت وزارة الزراعة تحصين أكثر من مليون رأس من الأبقار في مختلف المحافظات خلال العام الحالي، بينما نفذت مديرية زراعة درعا حملات في آذار وأيلول.

لكن انخفاض الإصابات لا يعني أن قطاع الثروة الحيوانية خرج من أزمته. فتراجع أعداد المواشي يرتبط أساساً بارتفاع كلفة الإنتاج، في وقت لا تعوض فيه أسعار الحليب هذه الزيادة.

وتحتاج البقرة إلى نحو 200 ليتر من المياه يومياً، فيما أصبح تأمين مياه الشرب نفسه عبئاً مالياً على الأسر. ومع الأعلاف والأدوية والتبن والنقل، يجد المربي نفسه أمام معادلة قاسية: يبيع الحليب بسعر لا يغطي ما أنفقه على إنتاجه، بينما يهدد المرض ما تبقى من القطيع.

وفي ظل هذه الظروف، تبدو حملات التحصين ضرورية لكنها غير كافية. فحماية الثروة الحيوانية لا تبدأ من اللقاح وحده، بل من قدرة المربي على تحمل كلفة إبقاء الحيوان حياً ومنتجاً، وهو ما يبدو أكثر صعوبة مع استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف قدرة الجهات الرسمية على معالجة جذور الأزمة.

 

اقرأ أيضاً: نفوق المئات من الأغنام في ريف حماة الشرقي.. وأدوية فاسدة تُفاقم أزمة الحمى القلاعية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.