«فيسبوك» في سوريا.. هل تحوّل إلى أداة رقابة شعبية على القرارات الحكومية؟
مع تزايد اعتماد السوريين على منصات التواصل الاجتماعي لمتابعة الشأن العام، تحوّل موقع «فيسبوك» مؤخراً إلى مساحة واسعة لعرض الشكاوى اليومية، وانتقاد القرارات الحكومية، ومناقشة آثارها المباشرة على حياة المواطنين.
ولا يقتصر المحتوى المتداول على التعبير عن الاستياء أو نقل المشكلات فحسب؛ إذ يلجأ المستخدمون إلى نشر صور ووثائق ومقاطع فيديو توثق واقع الخدمات والأسواق والمؤسسات العامة، إلى جانب توجيه الأسئلة والانتقادات للمسؤولين والمطالبة بتوضيحات رسمية حول بعض القرارات والإجراءات.
وفي حالات عدة، تتصدر قضية محلية صفحات التواصل الاجتماعي قبل أن تنقلها وسائل الإعلام أو تحظى باهتمام الجهات الحكومية، ما يطرح تساؤلات حول الدور الذي يمكن أن تؤديه المنصات الرقمية في مراقبة أداء المؤسسات العامة، ومدى قدرة التفاعل الشعبي على دفع الجهات المعنية لمراجعة قراراتها أو معالجة الخلل في تنفيذها.
غير أن انتشار الشكاوى على «فيسبوك» لا يعني بالضرورة تحولها تلقائياً إلى رقابة مؤسسية أو امتلاكها تأثيراً مباشراً في عملية صنع القرار؛ فالتفاعل الرقمي، وإن كان يلفت الانتباه إلى قضايا بعينها ويزيد من الضغط المجتمعي، يظل مرهوناً بمدى استجابة المؤسسات الحكومية، وفاعلية آليات استقبال الشكاوى، والقدرة على التحقق من المعلومات واتخاذ إجراءات عملية بناءً عليها.
كما يثير هذا الاعتماد المتزايد أسئلة حول دقة المحتوى المتداول، واحتمالات انتشار روايات غير موثقة أو مبالغ فيها، فضلاً عن الفارق بين النقد القائم على الحقائق والحملات المعتمدة على الانطباعات والتفاعل الجماهيري المجرد.
الهواس: تحول في أنماط الاستهلاك الإعلامي وتحديات تذبذب الموثوقية
وفي هذا السياق، يؤكد الكاتب والإعلامي السوري أحمد الهواس، في حديثه لشبكة «963+» من دمشق، أن وسائل التواصل الاجتماعي أضحت المساحة الرئيسية التي يتابع من خلالها السوريون الأخبار والقضايا العامة، لافتاً إلى أن هذا الانفتاح الإعلامي يواجه تحديات تتعلق بموثوقية المعلومات وطرق تداولها.
ويرى الهواس أن سوريا عاشت خلال فترة النظام المخلوع في ظل إعلام موجّه، ما أدى إلى تراجع ثقة الشارع بوسائل الإعلام المحلية. ورغم أن المرحلة التي أعقبت سقوط النظام شهدت انفتاحاً واسعاً، إلا أنها ترافقت مع حالة من الفوضى ناتجة عن الاعتماد المفرط على منصات التواصل.
وتتمثل الإشكالية الأساسية، بحسب الهواس، في عدم قدرة بعض المستخدمين على التمييز بين الخبر والمعلومة، أو بين المحتوى الموثوق وذاك الخاضع للاجتزاء والتوظيف السياسي، مؤكداً أن نشر الشخص للمحتوى عبر صفحته — حتى وإن كان من المؤثرين — لا يعني بالضرورة تعامله مع المعطيات بموضوعية أو حياد. ويضيف أن اقتطاع بعض المنشورات أو المقاطع من سياقها يندرج ضمن أساليب «الحرب الإعلامية» التي تستهدف الدولة السورية.
وفي معرض حديثه عن الوضع الاقتصادي، يربط الهواس بين التحديات الاقتصادية وحجم الدمار في البلاد وبين طبيعة المحتوى الرقمي المتداول، مشيراً إلى تقديرات صندوق النقد الدولي التي تفيد بحاجة سوريا لنحو 216 مليار دولار لإعادة الإعمار. ويشير إلى أن غياب الدعم والمساعدات الكافية يدفع أطرافاً لاستخدام وسائل الإعلام والمنصات للتأثير في الرأي العام، لافتاً إلى وجود صفحات تنشط من خارج البلاد وتتلقى تمويلاً أو توجيهاً من جهات خارجية، مقابل صفحات أخرى يديرها مواطنون داخل سوريا للتعبير عن مشكلاتهم واحتياجاتهم الخدمية غير الملبّاة.
ويشدد الإعلامي السوري على أن منصات مثل «فيسبوك» و«إكس» باتت تلعب دوراً في توجيه الحكومة والرأي العام على حد سواء، خصوصاً مع تغير نمط الاستهلاك المعرفي؛ إذ لم تعد شاشات التلفزة المصدر الرئيسي للمعلومات لشريحة واسعة، بل أصبح الهاتف الذكي الوسيلة الأساسية للوصول إلى الأخبار والتعليقات.
ويختتم الهواس بالدعوة إلى رفع مستوى الوعي لدى المستخدمين للتمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتوى الموجه، مع التأكيد في الوقت ذاته على أهمية تسليط الضوء على السلبيات؛ إذ إن الإشارة إلى مواطن الخلل تساعد الحكومة على تصحيح مسارها، ليكون دور المنصات ناقلاً حقيقياً للملاحظات والمشكلات الميدانية الواجب معالجتها.
رزق: متطلبات الرقابة الشعبية وأهمية بناء الثقة
من جانبها، ترى الدكتورة هدى رزق، أستاذة علم الاجتماع السياسي والمحللة السياسية في الشأن الإقليمي، في تصريح لـ«963+»، أن منصات التواصل الاجتماعي اكتسبت حضوراً ومصداقية متزايدة لدى شريحة واسعة من الجمهور، ولا سيما فئتي الشباب ومتوسطي العمر، الذين يعتمدون عليها لمتابعة الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتقييم أداء المؤسسات والالمسؤولين.
وتوضح رزق أن هذه المصداقية الشارعية لا تعني بالضرورة صحة كل ما يُنشر، مشيرة إلى أن المسؤول الحكومي يملك القدرة على نفي الشائعات أو الانتقادات، إلا أن التأثير الفعلي لهذه المنصات يظل مرتبطاً بمدى اهتمام المسؤول برأي الشارع ومدى استجابته لمطالب المواطنين، خصوصاً في الأنظمة التي تقوم فيها العلاقة بين السلطة والجمهور على آليات المساءلة والانتخاب.
وتضيف رزق أن الانتقادات الرقمية يمكن أن تدفع المسؤولين لإعادة تقييم أدائهم عندما يكون الرأي العام عاملاً محدداً في استمرارهم بمناصبهم، ما يعزز مفهوم الرقابة الشعبية على العمل الحكومي.
أما بالنسبة للواقع السوري، فتؤكد رزق أن الحكومة بحاجة إلى تحقيق إنجازات ملموسة تعزز ثقة الشارع بها، لا سيما بعد الآمال العريضة التي عقدها المواطنون عليها. وتعتبر أن آراء الشارع وانتقاداته تشكل دافعاً أساسياً للإصلاح وتحسين جودة الأداء المؤسسي.
وتخلص أستاذة علم الاجتماع السياسي إلى أن على المسؤولين الاستماع بجدية لمطالب المواطنين والعمل على تحقيق مستوى عالٍ من الشفافية، مؤكدة أن دور وسائل التواصل الاجتماعي لا يتوقف عند مجرد نقل الشكاوى، بل يمكن أن يتطور ليكون شكلاً من أشكال الرقابة الشعبية المستمرة على أداء المؤسسات العامة.
اقرأ أيضاً:بعد جدل حول تصريحاته الأخيرة الشيخ الرفاعي يتراجع السلفية جزء أصيل من سوريا
اقرأ أيضاً:جدل الـ110 ملايين دولار.. السورية للبترول تنفي الاختلاس وتوضح حقيقة العقود