رغم التصريحات المتكررة من الحكومة السورية بأن دمشق غير معنية بتدخل عسكري داخل الأراضي اللبنانية لتفكيك سلاح حزب الله كما يريد الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، وعلى الرغم من أن الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري «أسعد الشيباني» إلى العاصمة اللبنانية ومن ثم إلى مدينة «طرابلس» تبدو في صورتها الأولى على أنها زيارة سياسية فقط وهدفها بناء علاقات متوازنة مع لبنان كما هو معلن، إلا أن الزيارة تبدو خطيرة جداً لجهة التوقيت والرسائل السياسية غير المباشرة التي وجهها «الشيباني» من خلال توجهه إلى «طرابلس»، بما معناه أن الحكومة السورية تريد بناء تحالفات داخل لبنان ضد أطراف لبنانية، وقد تكون هذه الزيارة الخطوة الأولى نحو إشعال حرب أهلية في لبنان تبرر التدخل السوري لاحقاً لجهة إسناد ما ستسميه دمشق لاحقاً «الشرعية في لبنان».
وعلى الرغم من معرفة أطراف عدة دولية وإقليمية لخطورة إشعال حرب أهلية في لبنان، إلا أنها السيناريو الوحيد الذي يمكن من خلاله التوجه نحو إلحاق هزيمة عسكرية بحزب الله على أساس أنه خرج من الحرب مع “إسرائيل” منهكاً، ويوضع في حسابات الأطراف التي تريد مثل هذا السيناريو أن الحزب سيكون وحيداً في مثل هذه الحرب أو قد تنضم إليه حركة أمل، في مواجهة عدة أطراف لبنانية كل منها يرتبط بجهة دولية مختلفة، إلا أنهم جميعاً سيقدمون خدمة لـ “إسرائيل” في محاربة حزب الله.
وعلى الرغم من أن الجانب التركي يبدو رافضاً لمثل هذه الحرب من خلال رفضه التدخل السوري في لبنان، إلا أن نتائج القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» ونظيره التركي «رجب طيب أردوغان» قد تفضي إلى صفقة أمريكية تركية تسمح من خلالها أنقرة لدمشق بالتدخل في لبنان بحجج ستبدو قانونية، إلا أن الأصل فيها سيكون دافعاً انتقامياً وطائفياً، وسيكون لزيارة الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» إلى العاصمة السورية أثراً في تأجيل أو تعطيل هذه العملية، والأمر مرهون بأن تستطيع فرنسا حشد الدول الأوروبية للضغط على أمريكا لمنع هذا السيناريو مقابل أن تقدم فرنسا ضمانات لكل من أمريكا و”إسرائيل” بأنها ستضغط لحصر السلاح في لبنان بيد الدولة، وأن يتسلم الجيش اللبناني مسؤولية حماية مناطق جنوب الليطاني.
لكن أخطر ما في الأمر هو الانزلاق من حرب أهلية لبنانية بتدخل سوري إلى حرب إقليمية، إذ تقول بعض المعطيات التي حصلت عليها شبكة “داما بوست” إن إيران أبلغت الجانب السوري عبر تركيا بأنها لن تقف على الحياد في حال محاولة دمشق التدخل عسكرياً في لبنان، والأمر نفسه قد ينطبق على الحشد الشعبي العراقي الذي قد يفتح جبهة إسناد لـ حزب الله بضرب المناطق الواقعة شرق الأراضي السورية بما يشتت جهود دمشق العسكرية ويجبرها على خفض وجودها العسكري في لبنان إن دخلت في معركة ضد حزب الله. ولأن مثل هذا السيناريو محتمل، تقول التقارير الإعلامية إن واشنطن تطلب من بغداد حصر السلاح بيد المؤسسة العسكرية الرسمية في البلاد، وهذا معناه أن واشنطن تريد حل الحشد الشعبي العراقي الذي تشكل أساساً لمحاربة التنظيمات الإرهابية، ومن الطريف أن واشنطن تعتبر بعض فصائل الحشد منظمات إرهابية لكونها ترفض الوجود الأمريكي في الأراضي العراقية.
عربياً، يُعوَّل على موقف المملكة العربية السعودية التي قد تضغط على واشنطن لمنع حدوث كل سيناريوهات التصعيد الممكنة في لبنان أو حتى في سوريا، وقد تتمكن الإدارة السعودية فعلياً من إقناع «ترامب» بأن لا يذهب نحو مثل هذا السيناريو وأن يترك الأمر لحلول سياسية ترضي جميع الأطراف بما فيها “إسرائيل”، لكن قد تصطدم الجهود السعودية بموقف رسمي من لبنان كأن يطلب الرئيس اللبناني «جوزيف عون» أو حتى رئيس الحكومة اللبنانية بالموافقة على دخول لبنان في نفق الحرب الأهلية في مقابل أن تكسب الأطراف المعادية لـ حزب الله وتحقق مصالحها السياسية الضيقة على حساب السلامة الوطنية، وبالتالي يمكن القول إن لبنان يواجه حالياً أخطر مرحلة في تاريخه الحديث التي قد تعيد البلد المنهك من تبعات الحرب الأهلية السابقة والذي ما زال يدفع ضريبتها حتى الآن، وقد يكون هذا السيناريو مقدمة لتقسيم لبنان إن لم نقل مقدمة لتقسيم سوريا أيضاً؛ فأي حرب أهلية في لبنان قد تعني حرباً أهلية سورية، فدمشق لن تذهب لتلبية الرغبة الأمريكية دون أن تُعطى ضوءاً أخضراً لمحاربة كل الأطراف التي ما تزال ترفضها مثل «الدروز» في السويداء، و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) فيما تبقى لها من مناطق في محافظة الحسكة، ولأن كلاًّ من «الدروز» و«قسد» لن يقبلا الاستسلام لمجرد أن أمريكا تريد ذلك، فإن المعارك ستكون هي الفيصل بين الحكومة الانتقالية وهذين الطرفين.
إقرأ أيضاً: التوغل الإسرائيلي في حوض اليرموك: قرية عابدين ترسم حدوداً جديدة بالحجارة في ظل غياب الدولة
إقرأ أيضاً: ترامب مصرٌ على إشعال حرب جديدة.. المعركة مع حزب الله واحتمالاتها