المشهد الأمني في سوريا: فوضى السلاح المنفلت، توغلات إسرائيلية، وتكتيكات انتحارية لـ “داعش”
شهدت سوريا خلال شهر حزيران 2026 تدهوراً أمنياً وتداخلاً معقداً بين مختلف الملفات الميدانية. وتوزعت المؤشرات الأمنية بين تصاعد ظاهرة الانفلات الأمني، واتساع رقعة الاغتيالات والتصفيات المحلية، إلى جانب التحركات الإسرائيلية المكثفة في الجنوب، والنشاط الانتحاري المتجدد لتنظيم داعش.
ترسم هذه الإحاطة الشاملة خارطة الاستقرار الداخلي وأمن الحدود في سوريا، مستعرضةً أبرز الدلالات والتحولات الميدانية خلال الشهر.
1. “انفلات السلاح” وتراجع الردع: مواجهات عشائرية وتمرد على الأجهزة الأمنية
يتنامى انتشار السلاح المنفلت خارج الأطر النظامية في سوريا ليتحول إلى أمر واقع، حيث تتقاطع النزاعات العشائرية العابرة للحدود مع الحسابات الشخصية وعمليات الانتقام السياسي. ويمكن رصد هذا الملف عبر مستويين رئيسيين:
المستوى الأول: عجز الاحتواء والتدخل العسكري المباشر
أظهرت قوى الأمن الداخلي محدودية في السيطرة على ترسانات السلاح المتوسط والثقيل، مما اضطر وزارة الدفاع إلى التدخل العسكري المباشر في عدة جبهات، ومنها:
-
دير الزور: اشتباكات واسعة النطاق في محيط منطقة خشام.
-
حماة: تجدد المواجهات الدامية في قريتي “كراح” و”خفسين” بين عائلتي العويمرين والخريزات (بسبب خلافات ممتدة من تركيا)، مما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة أربعة آخرين.
-
إدلب: نزاعات ثأرية حركت عشائر بأكملها، أبرزها الهجوم على عشيرة المعاطة في بلدة حرملة، رغم محاولات التدخل من مستشار شؤون العشائر أبو أحمد زكور.
-
مناطق أخرى: مواجهات مسلحة في زاكية، عدرا، المليحة الشرقية، تل عدا، أم مدفع، ومعارة الأتارب.
المستوى الثاني: تصفية الحسابات والصدام مع الدولة
برزت ظاهرة خطيرة تمثلت في استغلال “التحريض الشعبي” لتصفية الحسابات تحت ذريعة ملاحقة “الشبيحة وفلول النظام السابق”، وتحولت هذه التهم إلى مسوغات لحرق الممتلكات والاعتداء المفضي إلى الموت (مثل حادثة فادي ربوع في إدلب)، بالإضافة إلى فوضى عارمة في تدمر أدت لنزوح عائلات واشتباك مع عشيرة العكيدات، وتمرد أنصار القيادي تركي البوحمد في الرقة وإحراقهم العلم السوري.
وقد تطور هذا الانفلات إلى صدام مباشر مع أجهزة الدولة، تجسد في:
-
اشتباكات مدينة طفس بدرعا أثناء محاولة القبض على المطلوب محمد جهاد البردان.
-
تمرد بدو الفواعرة في حمص وإحراقهم آليات مسروقة لمنع استردادها، ودعوتهم لاعتصام مسلح.
2. أمن الحدود السورية: ثلاثية المخاطر واستهداف التوازن الميداني
واجهت الحدود السورية خلال شهر حزيران تهديدات متعددة الأبعاد على جبهات الجنوب، والشرق، والغرب:
التحركات الإسرائيلية في الجنوب (القنيطرة ودرعا)
واصلت “إسرائيل” استراتيجيتها الرامية إلى فرض منطقة عازلة وتغيير الواقع الجغرافي عبر سلسلة توغلات برية:
-
القنيطرة: توغلت آليات وجنود الاحتلال في قرى المشيدة، المعلقة، وغرب بلدة الرفيد، وتم تركيب بوابة حديدية على بعد 300 متر من الشريط الفاصل. كما شملت التحركات تطويق بلدة العشة، ومداهمة المنازل في صيدا، وتلة أبو قبيس، والأصبح، مع اعتقال عدة مواطنين.
-
درعا (حوض اليرموك): توغلت قوة إسرائيلية في قرية العارضة وأقامت حاجزاً مؤقتاً، وتمركزت 12 آلية ومدرعة قرب مسجد خالد بن الوليد في قرية عابدين ومعريا، ترافق ذلك مع قصف مدفعي واستهداف المزارعين بالرشاشات الثقيلة، واستهداف محيط سد المنطرة بقذائف صاروخية لمنع أي تمركز عسكري.
الانفجار الأمني في السويداء
شهدت المحاور الغربية لمدينة السويداء اشتباكات عنيفة بالأسلحة الرشاشة بين قوى الأمن الداخلي وقوات “الحرس الوطني”، أسفرت عن مقتل عنصر الأمن الداخلي “محمود محمد الشريف” برصاص قناص. وجاء التصعيد إثر شرخ عسكري وتواطؤ داخلي أدى لهروب 3 أسرى مقابل مبلغ 250 ألف دولار، وتبعه إقالة وتوقيف قائد “الحرس” العميد جهاد الغوطاني وتكليف العميد فضل أبو عساف، وسط انشقاقات ولجوء عناصر إلى الشيخ ليث بلعوس (شيخ مضافة الكرامة).
مكافحة التهريب والتعزيزات الخارجية
-
حمص: دهمت قوى الأمن الداخلي قرية العامرية بريف تلكلخ، وقبضت على مهرب وصادرت صواريخ كانت معدة للتهريب نحو لبنان.
-
الحدود السورية العراقية: رُصدت تعزيزات ضخمة تضم مئات العناصر من الحشد الشعبي العراقي المزود بطائرات مسيرة، حيث تمركزوا في ست نقاط رئيسية.
3. ملف الاغتيالات: استهداف مدرع للكوادر وتصفية الحسابات الطائفية
تطورت عمليات التصفية والاغتيالات في سوريا إلى مستويات أكثر تنظيماً، مستهدفة ثلاث فئات رئيسية:
-
الكوادر العسكرية والأمنية: اغتيال القيادي الشيشاني بوزارة الدفاع “مصطفى الروسي” (القيادي السابق بالعصائب الحمراء لهيئة تحرير الشام) ومرافقه برصاص مسلحين في إدلب. والعثور على جثة زميله “فارق أبو عمر” (أبو عمر أتارب) مقتولاً بريف إدلب. كما طالت التصفيات حسين عيريق في ريف اللاذقية، وإصابة صلاح الصالح (رئيس القسم العدلي في ببيلا) بتفجير عبوة في ريف دمشق.
-
المدنيون والعسكريون السابقون: تصاعدت التصفيات تحت ذريعة “التعامل مع النظام السابق”، مما أسفر عن مقتل المسن محمد ديب حمرة في حماة، ورضوان ناصر الدين في إدلب، وسحل المواطن شكري كيالي حتى الموت في كفر تخاريم. وامتدت الموجة خارج الحدود باغتيال الطبيبين السوريين (الدكتور سامح أحمد حسن وزوجته الدكتورة سماهر الموسى) في مدينة عدن اليمنية إثر حملة تحريض رقمية ضدهما.
-
الاستهداف الطائفي وخلخلة السلم الأهلي: مقتل 3 أشخاص وإصابة 3 آخرين من أبناء الطائفة المرشدية في قرية القاهرة بريف حماة، واستهداف سيارة بعبوة في سهل الغاب من الطائفة ذاتها. واختطاف وتصفية المواطن علي خازم الدرويش في قرية الربيعة ذات الغالبية العلوية بريف حماة.
4. تنظيم داعش: نقلة تكتيكية نحو الهجمات الانتحارية المنسقة
انتقلت تكتيكات تنظيم “داعش” في حزيران 2026 من الكمائن المحدودة إلى الهجمات الانتحارية المنسقة واختراق المقار الأمنية الحصينة، بالتوازي مع ضربات جوية للتحالف الدولي:
الاختراقات الأمنية والهجمات الانتحارية
-
مقر قيادة الأمن الداخلي في الرقة: اقتحم عنصران يرتديان زي الأمن الداخلي المقر، وصادما الحرس واشتبكا في الداخل، مما أسفر عن مقتل 3 عناصر من قوات المهام الخاصة، ومقتل مهاجم وتفجير الآخر لنفسه.
-
معسكر وزارة الداخلية بالرقة: هجوم انتحاري آخر أدى إلى مقتل عنصرين.
-
تبني العمليات رسمياً: تبنى التنظيم تفجير سيارة رئيس القسم العدلي في ببيلا “صلاح الصالح”، واغتيال عنصرين من الفرقة 76 التابعة لوزارة الدفاع (بسام الرسلان وبسام الحمود) على الطريق الدولي M4 قرب منبج، واستهداف حافلة مبيت عسكرية على طريق تل تمر–رأس العين بريف الحسكة مما خلف قتيلاً و10 جرحى.
ملاحقة التنظيم وضربات التحالف الدولي
-
وزارة الداخلية: حققت خرقاً أمنياً مهماً بالقبض على المدعو أكرم صالح الحمد (عبدو تصنيع)، المسؤول عن قطاع التصنيع بالتنظيم في المنطقة الشرقية.
-
ريف حلب الشمالي: تم تحييد انتحاري ينتمي للتنظيم حاول تفجير نفسه بدراجة ملغمة داخل مقر عسكري للفرقة 76 في بلدة بزاعة.
-
التحالف الدولي: كثفت القيادة المركزية الأمريكية ضرباتها الجوية مستهدفة قيادات الصف الأول، وأعلنت مقتل علي حسين العلوي بغارة جوية في سوريا في 19 حزيران، إلى جانب غارات طالت مركبات ومقرات في ريفي حلب وإدلب (دارة عزة ومحيط دير حسان وجسر الشغور).
إقرأ أيضاً: التوغل الإسرائيلي في حوض اليرموك: قرية عابدين ترسم حدوداً جديدة بالحجارة في ظل غياب الدولة
إقرأ أيضاً: ترامب مصرٌ على إشعال حرب جديدة.. المعركة مع حزب الله واحتمالاتها