حملة “لست شجرة”: مقاطعة طائفية تهدد السلم الأهلي بسوريا
شهدت الساحة الرقمية السورية تحولاً متسارعاً ومثيراً للجدل مع تحول حملة “لست شجرة” في أقل من يومين من مجرد تغريدات متفرقة إلى ملف إعلامي واسع التداول وتطال دعوات هذه الحملة مفاصل الحياة اليومية كلها من مطاعم ومدارس ومشافٍ وإيجار ونقل ومحلات تجارية بهدف معلن يرمي إلى مقاطعة مكونات طائفية بعينها في المجتمع السوري ويأتي هذا الحراك الرقمي على خلفية الإعلان الرسمي عن نتائج التحقيق في قضية مقتل أطفال الطبيبة رانيا العباسي
تنسيق مسبق وضخ رقمي عبر المنصات
لم تكن انطلاقة الحملة عفوية أو وليدة المصادفة في توقيتها وجغرافيتها الرقمية حيث رُصد النقاش الأول في مساحة عامة على منصة” X ” لينتقل بعدها مباشرة وبشكل متزامن إلى منصتي فيسبوك ويوتيوب وحسابات موازية أخرى ويشير هذا الانتشار السريع إلى وجود تنسيق مسبق تجاوز مجرد التوقيت ليتضح في التطابق البصري واللغوي الكامل بين مختلف المنصات من حيث استخدام الاسم ذاته والشعار نفسه والرسائل الموجهة ذاتها
ودفعت هذه المعطيات عدة تغطيات إعلامية متداولة إلى وصف الحملة بأنها “منظمة ومجهولة المصدر” وهو توصيف اصطلاحي دقيق يُفرّق بين حملات التعبئة الشعبية التلقائية وتلك التي تُدار وتُوجّه من غرف عمليات محددة ومن الناحية الرقمية أدى تكرار الوسم عبر قنوات متعددة في وقت قياسي إلى تحفيز خوارزميات المنصات لرفعه تلقائياً إذ ضاعف كل تفاعل من نسب الظهور وجلب تفاعلات جديدة مما ساهم في وصول المنشور التأسيسي إلى وسائل الإعلام الرئيسية خلال ساعات قليلة
البنية النصية للحملة واستبدال المحاسبة بالعزل
يحمل شعار “لست شجرة” بمعناه المجرد والسطحي دلالة مقبولة تنص على أن الإنسان ليس مجبراً على البقاء في مكان أو علاقة لا يرغب بها إلا أن النصوص التأسيسية التي انطلقت منها الحملة ذهبت إلى أبعاد مغايرة تماماً حيث نص المنشور الأول صراحة على دعوة لـ “عزل اجتماعي اقتصادي سني ضد النصيرية العلوية والدروز وباقي الأقليات” مما جعل معيار المقاطعة مبنياً على الهوية والانتماء الطائفي بدلاً من الفعل الجنائي والمسؤولية القانونية
ورغم قيام القائمين على الحملة لاحقاً بإصدار بيان أكثر تحفظاً ومحاولة لتعديل الخطاب عبر التأكيد على أن المقصود هو “العزل الاجتماعي” وليس التحريض على العنف فإن البنية الفكرية للأطروحة بقيت على حالها مستهدفة جماعات دينية بأكملها عوضاً عن ملاحقة أشخاص بأسمائهم
ونقلت التقارير الإعلامية عن مختصين قانونيين تأكيدهم أن المحاسبة الجنائية الحقيقية يجب أن تقوم على المسؤولية الفردية حصراً وأن نسب الجريمة إلى هوية جماعية يُعطّل مسارات العدالة الانتقالية ويحولها من منطق القانون إلى ثأر وانتقام موروث
توقيت الانفجار وغياب البديل المؤسسي
تزامن ظهور الحملة بشكل دقيق مع الأيام التي أعلنت فيها وزارة الداخلية السورية عن توصلها إلى أدلة جنائية تشير إلى مقتل أطفال رانيا العباسي على يد مجموعات تابعة للنظام السوري السابق ولا يمكن اعتبار هذا التزامن تفصيلاً ثانوياً عابراً والأرجح أن الحملة نشأت كرد فعل مباشر على صدمة أخلاقية وسياسية حقيقية أصابت الشارع السوري لكنها انحرفت بتوجيه هذا الغضب نحو هويات جماعية بدلاً من الجناة الحقيقيين المحدديين
ورغم عدم وجود أدلة قاطعة تثبت وجود “عملية تشتيت” بمعناها الاستخباراتي المنظم فإن التسلسل الزمني لحملة تنشأ بُعيد إعلان رسمي صادم وتوجه بوصلة الاحتقان نحو طوائف بعينها يستدعي التدقيق بصرف النظر عن نوايا المشاركين فيها ويسهم في تفشي هذه الخطابات غياب مسار مؤسسي وقضائي واضح قادر على تفريغ الغضب العام فبسبب تعثر المحاسبة القانونية وبقاء الجناة بلا أسماء واضحة يجد الناس في المقاطعة الجماعية إحساساً زائفاً بالفعل المؤثر حتى وإن كان هذا الفعل موجهاً في الاتجاه الخطأ ويهدد التماسك المجتمعي
المحاذير القانونية والتضخيم الشبكي
تواجه الحملة انتقادات حقوقية ودستورية واسعة حيث تُلزم المادة السابعة من الإعلان الدستوري السوري الدولة بصون التعايش وحفظ السلم الأهلي ومنع التحريض على الفتنة واستشهد محامون وناشطون حقوقيون بهذا النص الدستوري لتأكيد أن الدعوة إلى مقاطعة على أساس الانتماء الطائفي تقع في تعارض مباشر وصريح مع الإطار الدستوري للبلاد وكانت الحجة الأكثر تردداً في الأوساط الحقوقية هي أن تحويل غضب الضحايا إلى عقاب جماعي لا يُقرّب العدالة بل يُبعدها تماماً ويفتح باباً للانتقام المجتمعي الذي يصعب السيطرة عليه أو إغلاقه
وينطوي المشهد على جانب رقمي وتقني نبه إليه باحثون متخصصون في السلوك الشبكي يشير إلى أن الحملات المماثلة كثيراً ما يتم تضخيمها بشكل اصطناعي عبر حسابات وهمية وممنهجة تُعطي انطباعاً وهمياً بأن المجتمع منقسم عمودياً ومن أقصاه إلى أقصاه في حين أن الكتلة الشعبية الصامتة والحريصة على الاستقرار قد تكون أوسع بكثير مما تعكسه شاشات الهواتف والمنصات الافتراضية
خلاصة ما كشفته الحملة
بدأت حملة “لست شجرة” كخطاب تعبئة افتراضي ثم سرعان ما تحولت إلى دعوة علنية لمقاطعة اقتصادية واجتماعية ذات طابع طائفي مباشر ورغم تراجع حدة لغتها لاحقاً تحت ضغط الانتقادات الحقوقية والإعلامية الواسعة مستمدة زخمها العاطفي من قضية أطفال العباسي فإن التطابق البصري بين المنصات ومضمون النصوص التأسيسية والتوقيت المدروس يؤكد بمجمله أن ما حدث كان حراكاً أكثر تنظيماً وتوجيهاً مما يبدو في ظاهره العفوي
اقرأ أيضاً:الساحل السوري: احتقان اجتماعي متزايد وتدهور معيشي حاد يعصف بالمجتمع المحلي
اقرأ أيضاً:الكشف عن مصير أطفال الطبيبة رانيا العباسي