النفط الروسي في سوريا: لماذا تظل دمشق “أسيرة” إمدادات موسكو بعد سقوط الأسد؟

رغم التحول السياسي الجذري في سوريا وسقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، تبرز لغة الأرقام واقعاً مغايراً في قطاع الطاقة. فالحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع تجد نفسها اليوم أمام خيارات محدودة، حيث قفزت واردات النفط الروسي بنسبة 75% لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً، مما يضع السيادة الاقتصادية في مواجهة الضرورة المعيشية.

بالأرقام.. خريطة النفط في سوريا عام 2026

تعيش سوريا فجوة هائلة بين الإنتاج والاستهلاك، وهو ما يفسر الاعتماد المتزايد على الخارج:

  • الاحتياج اليومي: يتراوح بين 120 و150 ألف برميل.

  • الإنتاج المحلي: حوالي 35 ألف برميل يومياً (أقل بكثير من مستويات ما قبل 2011 التي بلغت 350 ألف برميل).

  • الواردات الروسية: ارتفعت من 46 ألف برميل في 2025 إلى 60 ألف برميل يومياً في 2026.

  • حقل العمر: ينتج حالياً نحو 5 آلاف برميل يومياً فقط رغم استعادة السيطرة عليه.

موسكو بديلة لطهران: نفوذ الطاقة والقواعد العسكرية

بعد انهيار التحالف مع إيران، حلت روسيا كمزود رئيسي للخام، وهو ما يراه محللون “ثمناً غير معلن” مقابل:

  1. بقاء القواعد العسكرية: استمرار الوجود الروسي في قاعدتي حميميم وطرطوس.

  2. النفوذ السياسي: امتلاك الكرملين أوراق ضغط قوية على الحكومة الانتقالية التي تسعى للتقارب مع الغرب.

  3. العزلة المالية: عدم اندماج المصارف السورية في النظام العالمي يجعل “الشبكات الروسية” الخيار الوحيد المتاح حالياً.

مخاطر استمرار الاعتماد على النفط الروسي

حذر خبراء اقتصاديون، منهم كرم شعار، من أن هذا الاعتماد يضع دمشق في دائرة الخطر لعدة أسباب:

  • العقوبات الغربية: استيراد النفط عبر سفن خاضعة للعقوبات (رصدت رويترز 21 سفينة) قد يعرض الحكومة الانتقالية لعقوبات أمريكية وأوروبية جديدة.

  • الارتهان للملف الأوكراني: قد تضغط واشنطن على سوريا لوقف الشراء من روسيا في حال تصاعد التوتر في ملف أوكرانيا، مما قد يسبب أزمة وقود مفاجئة.

  • السمعة التجارية: التعامل مع “أساطيل الظل” الروسية يعيق بناء مصداقية تجارية دولية لسوريا.

محاولات التنويع: البحث عن بدائل إقليمية

تؤكد مصادر في الشركة السورية للبترول أن دمشق تدرك خطورة الموقف وتحاول البحث عن مخارج:

  • المسار التركي: سعت دمشق لإبرام صفقات نفطية مع أنقرة (المقربة من الحكومة الانتقالية) لكن دون نتائج ملموسة حتى الآن.

  • دول الخليج: تواجه سوريا صعوبة في التعاقد مع منتجين كبار كالسعودية أو الإمارات بسبب ضعف القدرة الشرائية وغياب الضمانات المالية طويلة الأجل.

  • التهريب: لا يزال التدفق غير القانوني من لبنان يغطي جزءاً من العجز بنحو 50 ألف برميل يومياً.

دلالات سياسية: الزيارات “المثيرة للجدل” إلى الكرملين

أثارت زيارات المسؤولين السوريين، وعلى رأسهم أحمد الشرع، إلى موسكو انتقادات واسعة في الشارع السوري، حيث يرى الكثيرون أن: “روسيا التي دعمت النظام السابق عسكرياً، لا ينبغي أن تظل المتحكم في شريان الحياة الاقتصادي لسوريا الجديدة.”

في المقابل، يرى الجانب الأمريكي (عبر تصريحات نواب في الكونغرس) أنه “لا عذر لبقاء القواعد الروسية” في ظل التغيير السياسي، داعين الحكومة الانتقالية لاتخاذ خطوات جادة لطردهم.

الخلاصة

تواجه الحكومة الانتقالية السورية “معضلة توازن” معقدة؛ فهي تحتاج للنفط الروسي لمنع انهيار قطاع الخدمات والكهرباء، لكنها في الوقت ذاته تخاطر بخسارة الدعم الغربي وتكريس نفوذ قوى دولية ساهمت في معاناة السوريين لسنوات.

إقرأ أيضاً: ديون الحرب أم التزامات الدولة؟ جدل حول ديون إيران وروسيا على سوريا

إقرأ أيضاً: دمشق بين روسيا وأميركا: رهانات التحالفات وتحديات الانفتاح الدولي

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.