خفض مخصصات وقود السيارات الحكومية في سوريا 30%.. كم يوفر للخزينة؟
تواجه الحكومة السورية ضغوطاً لضبط الإنفاق العام، في ظل اتساع الفجوة بين الإيرادات والمصروفات، ما دفعها إلى خفض مخصصات البنزين والمازوت للسيارات والآليات الحكومية بنسبة 30 بالمئة. لكن حجم الوفر الذي يمكن أن يحققه القرار لا يزال غير محدد، في غياب بيانات رسمية منشورة عن إجمالي الإنفاق على هذا البند.
وجاء الإجراء بعد تداول صور ومقاطع لمواكب تضم سيارات فارهة لمسؤولين حكوميين، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المشتقات النفطية وتزايد الأعباء المعيشية. وأعادت هذه المشاهد النقاش حول نفقات السيارات الحكومية ومدى إمكانية تقليصها، في وقت يتحمل فيه المواطنون تكاليف متزايدة للنقل والمحروقات.
ما الذي يشمله خفض مخصصات الوقود؟
تندرج نسبة الخفض البالغة 30 بالمئة ضمن إجراءات حكومية تستهدف تقليص النفقات الإدارية والتشغيلية القابلة للترشيد، وتنظيم استخدام الموارد العامة.
وبحسب الإجراءات المعلنة، يشمل القرار السيارات والآليات الحكومية، مع استثناء وسائل النقل الجماعي والآليات المخصصة للخدمات الطارئة، ومنها سيارات الإسعاف والإطفاء. كما يستثني المركبات التي لا تتجاوز مخصصاتها 70 لتراً من الوقود شهرياً.
وتتضمن التدابير أيضاً وقف شراء السيارات الإدارية الجديدة، إلا في حالات الضرورة، إلى جانب تنظيم التنقلات الرسمية بهدف الحد من استهلاك الوقود.
ولا تمتد التخفيضات، وفق الإجراءات الحكومية، إلى الرواتب والأجور أو النفقات الضرورية لقطاعات الصحة والتعليم والمياه والطاقة والأمن والسلامة العامة.
خفض الوقود لا يكفي لمعالجة العجز
يرى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن تقليص مخصصات الوقود يعكس محدودية الخيارات المتاحة أمام الخزينة، في ظل الحاجة إلى مراجعة النفقات التشغيلية والإدارية، حتى تلك التي قد تبدو محدودة عند النظر إليها بصورة منفردة.
وفي منشور عبر منصة «فيسبوك»، اعتبر عمر أن معالجة الاختلال المالي لا يمكن أن تقتصر على فاتورة الوقود، بل تتطلب مراجعة هيكل الإنفاق العام، وإعادة ترتيب أولويات المشاريع، وتأجيل النفقات التي يمكن الاستغناء عنها أو إرجاؤها، مع الحفاظ على القطاعات التي ترتبط مباشرة باحتياجات المواطنين.
وبحسب هذا التقدير، يمثل خفض استهلاك السيارات الحكومية إجراءً جزئياً ضمن مسار أوسع لضبط المالية العامة، وليس حلاً مستقلاً لمشكلة العجز.
فجوة مالية تقارب مليار دولار في ستة أشهر
تظهر بيانات المالية العامة حجم التفاوت بين موارد الدولة ونفقاتها خلال النصف الأول من عام 2026. فقد بلغت الإيرادات العامة نحو 2.7 مليار دولار، في حين اقترب الإنفاق من 3.7 مليارات دولار، لتصل الفجوة بينهما إلى قرابة مليار دولار.
ورغم ارتفاع الإيرادات بنسبة 111 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، وفق بيانات وزارة المالية، زاد الإنفاق بنحو 331 بالمئة، ما أبقى العجز عند مستويات مرتفعة رغم نمو الموارد.
وتضع هذه الأرقام إجراءات خفض النفقات التشغيلية في سياق أوسع، إذ لا يرتبط التحدي المالي بحجم الإيرادات وحده، بل أيضاً بوتيرة الإنفاق ومدى القدرة على ضبطه بما يتناسب مع الموارد المتاحة.
كم يمكن أن يوفر القرار؟
لا تتوافر قيمة رسمية منشورة تحدد حجم الإنفاق السنوي على وقود السيارات والآليات الحكومية، وهو ما يجعل تقدير الوفر الناتج عن خفض المخصصات بنسبة 30 بالمئة أمراً غير ممكن بدقة في الوقت الراهن.
ويحذر عمر من المبالغة في تقدير الأثر المالي للقرار، موضحاً أن تقليص مخصصات الوقود قد يخفف جانباً من النفقات التشغيلية، لكنه لا يكفي وحده لمعالجة فجوة تقارب مليار دولار بين الإيرادات والمصروفات خلال ستة أشهر.
وبالتالي، يبقى الأثر الفعلي للإجراء مرتبطاً بحجم الإنفاق الذي يشمله الخفض، ومدى الالتزام بتطبيقه، والوفر الذي سيتحقق على أرض الواقع.
الترشيد بين ضبط النفقات واستمرار الخدمات
تقول وزارة المالية إن سياسة ترشيد الإنفاق تهدف إلى تحسين كفاءة استخدام الموارد والحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية، مؤكدة أن الإجراءات تشمل مجموعة من البنود الإدارية والتشغيلية، ولا تقوم على تقليص النفقات بصورة عشوائية.
ويضع ذلك القرار ضمن اختبار أوسع يتعلق بقدرة الحكومة على الانتقال من إجراءات محدودة، مثل خفض مخصصات الوقود، إلى مراجعة أولويات الإنفاق العام ورفع كفاءته.
كما تتوقف معالجة الفجوة المالية على مجموعة من العوامل، بينها ضبط المصروفات، وتحسين تحصيل الإيرادات، وترتيب أولويات المشاريع والنفقات. ومن دون بيانات توضح حجم الوفر المحقق من كل إجراء، سيبقى من الصعب تحديد مساهمة خفض وقود السيارات الحكومية في تقليص العجز.
وبينما يشكل القرار خطوة لتقنين أحد أوجه الإنفاق التشغيلي، فإن أثره النهائي على الخزينة السورية سيعتمد على حجم التوفير الفعلي، ومدى اتساع إجراءات الترشيد لتشمل بقية بنود الإنفاق العام.
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز