نهر العاصي يعود إلى الواجهة… لكن هل يكفي تجميل الضفاف لإنقاذ قلب حماة؟

بينما تتقدم الورشات في إزالة التعديات عن ضفاف نهر العاصي بمدينة حماة، يبدو المشهد وكأنه محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقى من ذاكرة مدينة عاشت سنوات طويلة من الإهمال. فالعاصي الذي شكّل لعقود عنوان هوية حماة وروحها الثقافية، لم يخسره السوريون في الحرب وحدها، بل سبق ذلك تراجع بطيء تراكم عبر سنوات طويلة، حتى غابت ضفافه خلف الفوضى والمنشآت العشوائية، وانكمشت النواعير من رمز للحياة إلى شاهد صامت على مدينة تتآكل ملامحها.

اليوم، تعلن الحكومة السورية الانتقالية بدء مشروع لإعادة تأهيل مجرى النهر، في خطوة لاقت ترحيباً واسعاً بين الأهالي، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالاً أكبر: هل يكفي تنظيف النهر وترميم ضفافه لإعادة مدينة فقدت جزءاً كبيراً من هويتها العمرانية والسياحية؟

مشروع لإحياء المكان… بعد سنوات من الغياب

يمتد المشروع من منطقة البشريات حتى جسر الكيلانية، ويشمل إزالة التعديات، وتعزيل مجرى النهر، وإعادة تأهيل الحدائق والممرات، وتركيب منظومة إنارة وتشجير، مع تخصيص الجزء الأكبر من الضفاف كمساحات عامة مفتوحة، والإبقاء على الاستثمار ضمن حدود ضيقة لا تتجاوز 10 في المئة من الموقع.

وتقول الجهات المنفذة إن الهدف هو إعادة العاصي إلى واجهة المدينة، وفتح ضفافه أمام السكان والزوار، في محاولة لاستعادة أحد أهم المقاصد السياحية في حماة.

لكن هذه الأعمال، على أهميتها، تكشف في الوقت ذاته حجم التراجع الذي بلغته المدينة، إذ إن مشروعاً كهذا ما كان ليصبح ضرورة ملحة لو لم تُترك ضفاف النهر لعقود رهينة الإهمال، والعشوائيات، وتراجع الصيانة، حتى فقدت معظم قيمتها الجمالية والبيئية.

مدينة تحاول استعادة صورتها الأولى

بالنسبة لكثير من أبناء حماة، لا يمثل المشروع مجرد أعمال خدمية، بل محاولة لاستعادة مدينة اختفت تدريجياً من ذاكرتهم.

فمازن القرن، أحد سكان المدينة، يقول إن أجيالاً كاملة لم ترَ العاصي والنواعير كما عرفها الآباء والأجداد، بعدما حجبت الإشغالات والتعديات المشهد التاريخي للنهر، وأفقدت المكان حضوره الطبيعي.

هذه الشهادة تختصر حجم الخسارة؛ فحين تصبح إعادة رؤية النهر حدثاً استثنائياً، فإن الأزمة لم تعد أزمة خدمات فقط، بل أزمة إدارة طويلة سمحت بتآكل أحد أهم الرموز التاريخية في سوريا.

النواعير… تراث يقاوم البقاء

ورغم انطلاق أعمال التأهيل، تبقى النواعير الحلقة الأكثر هشاشة في المشروع.

فبحسب مدير الحدائق والنواعير محمد عهد سبع العرب، انخفض عدد النواعير العاملة من 25 ناعورة إلى 15 فقط، بينما تحتاج نواعير أخرى إلى إعادة بناء كاملة، وسط نقص حاد في الأخشاب المناسبة، وتراجع الكوادر الفنية من 83 عاملاً إلى 25 فقط، إضافة إلى غياب الحراسة الدائمة.

هذه الأرقام تكشف أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تنظيف ضفاف النهر، بل في حماية التراث نفسه، إذ إن استمرار نقص التمويل والكوادر قد يحول أعمال الترميم الحالية إلى حلول مؤقتة، لا تمنع تكرار الأزمة مستقبلاً.

التأهيل وحده لا يصنع التعافي

ورغم أهمية المشروع، فإن إعادة الحياة إلى العاصي تتطلب أكثر من أعمال إنشائية.

فالمدينة تحتاج إلى خطة متكاملة لإدارة الموقع بعد افتتاحه، تتضمن صيانة دائمة، وتمويلاً مستقراً، وحماية للنواعير، ورقابة تمنع عودة التعديات، إضافة إلى رؤية سياحية واقتصادية تعيد استثمار المكان بوصفه أحد أبرز معالم سوريا التاريخية.

أما الاكتفاء بإزالة المخالفات وإعادة الرصف، فقد يمنح المدينة مظهراً أفضل مؤقتاً، لكنه لن يضمن الحفاظ على ما يتم إنجازه إذا بقيت المشكلات البنيوية التي أوصلت العاصي إلى هذا الواقع من دون معالجة.

اختبار يتجاوز النهر

إعادة تأهيل العاصي ليست مجرد مشروع خدمي، بل اختبار لقدرة الحكومة السورية الانتقالية على الانتقال من منطق المعالجات الموضعية إلى سياسات مستدامة في إدارة المدن والتراث.

فالنجاح لن يُقاس بسرعة انتهاء الأعمال، بل بقدرة المشروع على منع تكرار عقود من الإهمال، وتحويل ضفاف النهر إلى فضاء حي يحافظ على هوية حماة، بدلاً من أن يصبح مشروعاً آخر يلمع في بدايته، ثم يتراجع تدريجياً حتى يعود إلى النقطة التي بدأ منها.

اقرأ أيضاً: زهرة النيل في سوريا.. آفة بيئية تهدد نهر العاصي وتخنق مزارعي ريف حماة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.