نتائج الامتحانات في سوريا.. موسم الفرح الذي يتحول إلى رصاص ومآسٍ
كل عام، ومع إعلان نتائج الشهادات العامة، تتكرر في سوريا مفارقة موجعة؛ فبينما تنتظر آلاف العائلات لحظة طالما حلمت بها، يختطف الرصاص الطائش مشهد الفرح، ويعيد إلى الشوارع لغة لم تغادر الذاكرة منذ سنوات الحرب. وبينما يسقط ضحايا جدد في كل موسم، تبدو الحكومة السورية الانتقالية عاجزة عن تحويل التحذيرات السنوية إلى إجراءات رادعة تضع حداً لظاهرة باتت أقرب إلى طقس دموي يتكرر بلا مساءلة حقيقية.
ورغم تعدد النداءات الرسمية، ما يزال إطلاق النار في الهواء وسيلة احتفال لدى البعض، في مشهد يعكس هشاشة تطبيق القانون أكثر مما يعكس فرحة النجاح، ويترك المجتمع أمام سؤال يتكرر كل عام: كم ضحية جديدة يحتاجها السوريون حتى يصبح الاحتفال بلا سلاح؟
موسم النتائج… فرح ينتهي في المقابر
الوقائع لا تترك مجالاً للتقليل من خطورة الظاهرة. ففي موسم نتائج العام الماضي، تحولت احتفالات النجاح إلى مآتم في أكثر من محافظة. في درعا، قُتل الشاب زكوان محمد أبازيد وهو يقف على سطح منزله بعد إصابته برصاصة طائشة، كما فقدت الطفلة بيلسان الحمصي حياتها في بلدة نمرة بالطريقة ذاتها.
وفي دير الزور، أدى إطلاق النار خلال الاحتفال بنجاح أحد الطلاب إلى مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة آخرين، بينما امتدت الإصابات إلى محافظات أخرى، بينها الرقة وحمص، في مشهد يؤكد أن الرصاص العشوائي لم يعد حادثاً استثنائياً، بل ظاهرة موسمية تتكرر مع إعلان النتائج.
وتؤكد المحامية غيداء شويكي أن إطلاق النار لا يمثل مجرد مخالفة قانونية، بل اعتداءً مباشراً على حق الناس في الحياة والأمان، مستذكرة حادثة مأساوية فقد فيها طالب حياته برصاصة خرجت من سلاح والده أثناء الاحتفال بنجاحه، في واحدة من أكثر الصور قسوة التي تكشف عبثية هذه الممارسة.
ذاكرة الحرب لا تحتمل أصواتاً جديدة
لكن الرصاص لا يقتل الجميع بالطريقة نفسها. فهناك من ينجو بجسده، ويُصاب بذاكرته.
نهيل حسن، التي أصيب والدها خلال سنوات الثورة بعد اختراق رصاصة لمنزلهم، تقول إن أي صوت لإطلاق النار يعيدها فوراً إلى تلك اللحظة. أما إيناس الطمير، التي عاشت حصار الغوطة الشرقية، فما تزال تربط أصوات الرصاص بالقصف والاختباء مع أطفالها، حتى بات موسم النتائج بالنسبة إليها امتداداً لذاكرة الحرب لا مناسبة للاحتفال.
ويشاركها محمد كجيج الإحساس ذاته، بعدما فقد إحدى كليتيه برصاصة خلال سنوات الثورة، مؤكداً أن أصوات الاحتفالات تعيده في كل مرة إلى لحظة إصابته، وكأن الحرب لم تغادر المكان.
رصاص يعطل التعافي
يرى الباحث الاجتماعي حبيب عبد المجيد أن المجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى صناعة رموز جديدة للحياة، لا إلى إعادة تدوير رموز العنف. فصوت الرصاص، بالنسبة إلى ملايين السوريين، لم يعد مجرد صوت، بل محفز يستدعي الخوف والنزوح وفقدان الأحبة.
وتؤكد الأخصائية النفسية لانا أنفوقي أن الدماغ يحتفظ بالأصوات المرتبطة بالخطر داخل الذاكرة الانفعالية، لذلك قد يؤدي سماع الرصاص، حتى في سياق احتفالي، إلى استجابات نفسية شديدة، تشمل الخوف وتسارع نبضات القلب واسترجاع مشاهد الحرب، ولا سيما لدى الأطفال والناجين من القصف وذوي الضحايا.
مسؤولية لا تكفيها بيانات التحذير
تكشف عودة هذه الظاهرة عاماً بعد آخر أن المشكلة تجاوزت حدود الوعي الفردي، لتصبح اختباراً لقدرة الدولة على فرض القانون. فالاكتفاء ببيانات التحذير الموسمية، من دون إجراءات رادعة وملاحقات حقيقية، لم يمنع سقوط ضحايا جدد، ولم يغيّر ثقافة ترى في السلاح وسيلة للتعبير عن الفرح.
ومع اقتراب إعلان نتائج هذا العام، تبدو الحاجة ملحة إلى انتقال الحكومة السورية الانتقالية من دائرة التحذير إلى مرحلة الفعل، عبر تطبيق صارم للقانون، ومصادرة السلاح المستخدم في المناسبات، وإطلاق حملات توعية مستمرة، لأن المجتمع الذي يحاول الخروج من ركام الحرب لا يستطيع أن يبني ذاكرة جديدة فيما لا يزال الرصاص يفرض حضوره في أكثر لحظاته بهجة.
فالنجاح ينبغي أن يفتح أبواب المستقبل، لا أن يضيف أسماء جديدة إلى قوائم الضحايا، ولا أن يوقظ حرباً ما تزال تسكن ذاكرة السوريين كلما دوّى صوت رصاصة في سماء كان يفترض أن تحتفل بالحياة.
اقرأ أيضاً: امتحان الرياضيات بالبكالوريا: تباين بين دمشق وإدلب وإغماءات بين الطلاب