فوضى النقل في حماة تستنزف جيوب المواطنين.. حلول ناقصة وأزمة تتسع

في حماة، لم تعد أزمة النقل الداخلي مجرد مشكلة خدمية عابرة، بل تحولت إلى عبء يومي يلاحق آلاف المواطنين في طريقهم إلى أعمالهم وجامعاتهم وأسواقهم. وبين “سرافيس” تفرض أجوراً متصاعدة خارج أي رقابة فعالة، و”باصات” حديثة لم تنجح بعد في تغطية احتياجات المدينة، يجد السكان أنفسهم عالقين في معادلة خاسرة يدفعون ثمنها من دخلهم المحدود ووقتهم وأعصابهم.

عندما دخلت الباصات الحديثة التابعة للنقل الداخلي إلى شوارع حماة مطلع العام الجاري، بدت وكأنها بداية انفراج لأزمة مزمنة. تعرفة منخفضة لا تتجاوز ألف ليرة، ومركبات أكثر راحة وتنظيماً، وخدمة كان يُفترض أن تخفف الضغط عن المواطنين. لكن بعد أشهر من التشغيل، اصطدمت التجربة بواقع أكثر تعقيداً؛ فعدد الباصات ما يزال محدوداً، وخطوطها لا تغطي معظم أحياء المدينة، فيما يشكو كثير من الركاب من طول فترات الانتظار وعدم انتظام وصولها، الأمر الذي جعلها عاجزة عن أن تكون بديلاً كاملاً عن “السرافيس”.

في المقابل، ما تزال “السرافيس” العمود الفقري للنقل داخل المدينة بفضل انتشارها الواسع وقدرتها على الوصول إلى مختلف الأحياء. غير أن هذه الأفضلية تحولت إلى مصدر معاناة للمواطنين مع ارتفاع الأجور بشكل متواصل، إذ تتراوح التعرفة حالياً بين 2500 و3000 ليرة للراكب الواحد، في ظل غياب أي تسعيرة رسمية واضحة أو رقابة حقيقية تلزم السائقين بها.

بالنسبة لكثير من العائلات، لم تعد المشكلة مجرد زيادة في أجرة الطريق، بل استنزاف مباشر للدخل الشهري. فالموظف الذي يتنقل يومياً مع أحد أفراد أسرته قد يجد نفسه مضطراً لدفع مئات آلاف الليرات شهرياً على المواصلات وحدها، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية وتتزايد الضغوط المعيشية.

ولا تتوقف الشكاوى عند حدود الأجرة. فظاهرة اختصار الخطوط أو ما يعرف محلياً بـ”قطش الخط” أصبحت جزءاً من المشهد اليومي. كثير من السائقين ينهون رحلاتهم قبل الوصول إلى نهاية المسار المحدد، ما يجبر الركاب على البحث عن وسيلة نقل أخرى ودفع أجرة إضافية لإكمال طريقهم. وهكذا تتحول الرحلة الواحدة أحياناً إلى أكثر من رحلة، وتتحول الأجرة الواحدة إلى عدة أجور.

ويضاف إلى ذلك التوقف العشوائي في الطرقات، وعدم الالتزام بالمواقف الرسمية، والازدحام المتكرر داخل المركبات، فضلاً عن المشادات اليومية بين بعض السائقين والركاب بسبب الخلاف على الأجرة أو مسار الرحلة. مشاهد باتت مألوفة لسكان المدينة وتعكس حجم الفوضى التي تضرب قطاع النقل الداخلي.

أما سائقو “السرافيس”، فيرون أن الصورة ليست بهذه البساطة. فهم يؤكدون أن ارتفاع أسعار المحروقات وقطع التبديل والصيانة جعل كلفة التشغيل مرتفعة جداً، وأن الأجور الحالية ليست سوى محاولة للحفاظ على مصدر رزقهم. كما يعتبر كثير منهم أن إدخال الباصات الحديثة بتعرفة منخفضة خلق منافسة غير متكافئة، خاصة بالنسبة لمن استثمروا مدخراتهم في شراء مركباتهم والعمل عليها.

وبين شكاوى المواطنين ومبررات السائقين، تبدو المشكلة أعمق من خلاف على التسعيرة. إنها أزمة إدارة وتنظيم وتخطيط، تكشف هشاشة منظومة النقل في مدينة تحتاج إلى حلول شاملة لا إلى إجراءات جزئية. فالباصات الحديثة، رغم أهميتها، ما تزال غير قادرة على تلبية الطلب المتزايد، بينما تُترك السرافيس عملياً لتفرض قواعدها الخاصة على الأرض.

ومع غياب توضيحات رسمية حاسمة بشأن التعرفة وآليات الرقابة وتنظيم الخطوط، تستمر حالة التخبط التي يعيشها قطاع النقل في حماة. وبين انتظار باص قد يتأخر، أو استقلال “سرفيس” بأجرة مرتفعة، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلة لم تنجح حتى الآن في تحقيق التوازن بين حق الناس في النقل الميسر وحق العاملين في القطاع بالحفاظ على مصادر رزقهم.

وفي مدينة أنهكتها الأعباء الاقتصادية، لم تعد المواصلات مجرد وسيلة للوصول إلى الوجهة المطلوبة، بل تحولت إلى معركة يومية جديدة يخوضها المواطن قبل أن يبدأ يومه.

 

اقرأ أيضاً: المواصلات في سوريا: احتجاجات للسائقين في حماة وتذمر من قفزة الأسعار بدمشق

اقرأ أيضاً: أجور المواصلات تعود للارتفاع في دمشق.. تسعيرة رسمية بلا تنفيذ

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.