ازدحام بنك الدم في حلب يكشف هشاشة الخدمات الحكومية.. طوابير التبرع تتحول إلى عبء على طالبي الوظائف

لم تعد طوابير الانتظار في المؤسسات الحكومية السورية مجرد مشهد يومي عابر، بل أصبحت صورة مكثفة لأزمة أوسع عنوانها ضعف التخطيط وغياب الحلول الاستباقية. وفي مدينة حلب، التي ما زالت تحاول استعادة إيقاع حياتها بعد سنوات طويلة من الحرب، تحولت أروقة مركز بنك الدم إلى مساحة جديدة لاختبار صبر المواطنين، بعدما توافدت أعداد كبيرة من المراجعين للحصول على وثائق التبرع أو الإعفاء المطلوبة للتقدم إلى وظائف “المعلم الوكيل”.

منذ ساعات الصباح الأولى، تبدأ الطوابير بالتشكل أمام المركز، وتمتد أحياناً إلى خارج المبنى، في مشهد يعكس حجم الضغط على مؤسسة واحدة مكلفة في الوقت نفسه بتأمين حاجة المستشفيات من الدم، وإنجاز معاملات آلاف المتقدمين إلى فرصة عمل حكومية محدودة.

وظيفة مؤقتة… وطابور طويل للحصول على ورقة

جاء الازدحام نتيجة تزامن موسم التقديم للعمل بصفة “معلم وكيل” في مديرية التربية بحلب مع استمرار بنك الدم في أداء مهامه اليومية، بعدما أصبحت وثيقة التبرع بالدم أو الإعفاء الطبي جزءاً من الأوراق المطلوبة للتقديم.

وبينما يفترض أن تكون هذه الإجراءات وسيلة لتنظيم عملية التبرع وتعزيز مخزون الدم، تحولت بفعل غياب البنية التنظيمية الكافية إلى عبء إضافي على المواطنين، الذين وجدوا أنفسهم مضطرين للانتظار لساعات طويلة لاستكمال معاملة مرتبطة أساساً بالحصول على فرصة عمل.

وتروي شهادات مراجعين لـ”الثورة السورية” أن بعضهم احتاج إلى أكثر من يوم لإنجاز الإجراءات، في حين اضطر آخرون إلى الحضور قبل افتتاح المركز بساعات لضمان دخولهم ضمن الدور.

وتقول تسنيم ملص، إحدى المراجعات، إن الانتظار أصبح مرحلة مرهقة من رحلة التقديم، مطالبة بإطلاق نظام إلكتروني لحجز المواعيد مسبقاً، فيما يرى علاء الدين العاشق أن افتتاح مراكز إضافية للتبرع بالدم في حلب بات ضرورة لتخفيف الضغط عن المواطنين والكوادر.

مؤسسة واحدة أمام ضغط مدينة كاملة

مدير بنك الدم في حلب الطبيب نائل نعناع، أرجع الازدحام إلى الأعداد الكبيرة من المتقدمين للعمل بصفة “معلم وكيل”، مؤكداً أن المركز اضطر إلى التعامل مع تدفق استثنائي للمراجعين خلال فترة زمنية قصيرة.

وأوضح أن الإدارة عملت على تنظيم المواعيد بالتنسيق مع الجهات المعنية، بحيث تستقبل كل جهة نحو 200 مراجع يومياً، إلا أن عدم الالتزام الكامل بالمواعيد يفاقم حالة الازدحام.

لكن المشكلة، وفق الواقع الميداني، لا تبدو مرتبطة فقط بسلوك المراجعين، بل تكشف محدودية قدرة المؤسسات الحكومية على التعامل مع موجات الطلب المفاجئة. فمدينة بحجم حلب لا تزال تعتمد على مركز واحد رئيسي لإنجاز هذه الخدمة، في وقت تتكرر فيه المناسبات التي تضاعف أعداد المراجعين دون وجود توسع فعلي في البنية الخدمية.

حلول مؤجلة في مواجهة أزمة متكررة

يحاول المركز تخفيف الضغط عبر تجهيز غرفة رابعة لقطف الدم والعمل على إطلاق منصة إلكترونية لتنظيم المواعيد وربط بنوك الدم في المحافظات، إلا أن هذه الخطوات تأتي بعد تفاقم المشكلة، لا قبل وقوعها.

ويشير مسؤولو المركز إلى أن تأخر إطلاق المنصة يعود إلى إجراءات إدارية مرتبطة بتغير تبعية بنوك الدم بين الجهات الحكومية، إلا أن هذه التبريرات تعكس بدورها واحدة من المشكلات المزمنة في الإدارة العامة، حيث تتحول التغييرات المؤسسية إلى سبب لتعطيل تطوير الخدمات بدلاً من أن تكون مدخلاً لتحسينها.

كما يواجه المركز تحديات أخرى، أبرزها نقص الكوادر، وخاصة عمال النظافة والموظفين المساندين، ما يزيد الأعباء على العاملين ويؤثر في سرعة إنجاز المعاملات.

من تنظيم الطوابير إلى إصلاح الإدارة

لا تكمن المشكلة الحقيقية في عدد المواطنين الذين يقفون أمام بنك الدم، بل في نموذج الإدارة الذي يسمح بتراكم الأزمات حتى تصل إلى مرحلة الطوابير. فبدلاً من توزيع المراجعات زمنياً، وتوسيع مراكز الخدمة، واعتماد حلول رقمية قبل مواسم الضغط، تستمر المؤسسات الحكومية في التعامل مع الأزمات بعد وقوعها.

وتحتاج الحكومة السورية الانتقالية إلى إعادة النظر في طريقة إدارة الخدمات العامة، خصوصاً في المدن الكبرى مثل حلب، عبر الانتقال من سياسة الاستجابة الطارئة إلى التخطيط المسبق، وتوسيع البنية الصحية والإدارية بما يتناسب مع حجم السكان والاحتياجات المتزايدة.

فالتبرع بالدم يفترض أن يكون فعل تضامن وإنقاذ حياة، لا أن يتحول إلى رحلة بيروقراطية طويلة للحصول على ورقة. وبينما ينتظر المواطنون دورهم أمام المركز، تبقى الطوابير شاهداً جديداً على فجوة تتسع بين حاجات الناس وقدرة المؤسسات على تلبيتها.

 

اقرأ أيضاً: غياب بنك الدم يعمّق معاناة مرضى القامشلي… رحلة بحث يومية عن جرعة حياة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.