مؤشرات مقلقة حول مستبقل الأقليات في سوريا.. تفكيك المشهد بين التغيير الديموغرافي والانتهاكات الرمزية في حمص
تشهد سوريا لاسيما في محافظة حمص وأريافها، تحولات ميدانية واجتماعية متواصلة أثارت مخاوف الشارع والمنظمات الحقوقية الدولية. وتأتي هذه التطورات في ظل واقع سياسي معقد أفرزه سقوط النظام السابق وصعود سلطات انتقالية وقوى محلية جديدة.
ويرى مراقبون أن ملف الأقليات الدينية في سوريا (خاصة الطائفتين العلوية والشيعية) يمر بأكثر مراحله حرجاً؛ حيث تتقاطع الإجراءات الإدارية القسرية مع الاعتداءات الميدانية الرمزية، مما يهدد بتأجيج التوترات الطائفية وتقويض السلم الأهلي.
1. قرية “المزرعة” بريف حمص: مخططات تنظيمية أم تهجير قسري؟
في أحدث حلقات التوتر الميداني، وجد سكان قرية المزرعة (ذات الغالبية الشيعية والمتاخمة لحي الوعر في حمص) أنفسهم أمام إنذار رسمي وقاسٍ يقضي بإخلاء منازلهم خلال 72 ساعة فقط.
تفاصيل التصعيد الميداني والأمني:
-
الانتشار الأمني: دخلت قوات الأمن الداخلي إلى القرية مصحوبة بآليات ثقيلة وجرافات، مع تحليق مكثف لطائرات مسيّرة (درون) في الأجواء لفرض السيطرة.
-
الاحتجاجات والمواجهات: حاول عشرات الأهالي تنظيم وقفات احتجاجية لمنع الجرافات من هدم أجزاء من البلدة، إلا أن القوات الأمنية واجهت المحتجين بإطلاق الرصاص الحي لتفريقهم، مما أسفر عن إصابة أحد أبناء القرية واعتقال آخرين.
-
قطع الخدمات: بالتزامن مع مهلة الأيام الثلاثة، انقطعت خدمات التيار الكهربائي ومياه الشرب عن أجزاء واسعة من البلدة، مما ضاعف معاناة السكان والدفع بنزوح عائلات عدة خوفاً من المجهول.
الرواية الرسمية ضد صرخات الأهالي:
تتحصن الجهات الرسمية خلف حجة تنفيذ “المخطط التنظيمي العمراني” للمنطقة، مدعية أن هذه الإجراءات قانونية وأن التعويضات المالية للمستحقين قد صُرفت منذ سنوات.
في المقابل، ينفي الأهالي جملة وتفصيلاً تلقيهم أي تعويضات مالية أو توفير بدائل سكنية أو ضمانات تحمي ملكياتهم العقارية، معتبرين أن غياب الحوار واستخدام القوة العسكرية يؤكدان وجود نوايا مبطنة للتغيير الديموغرافي تحت غطاء القانون.
2. استهداف الرموز الدينية: إحراق مقام “الشيخ ناصر الحكيم” نموذجاً
لم تكن الإجراءات العقارية في قرية “المزرعة” معزولة عن مناخ عام يتسم بـ التشجيع غير المباشر على الكراهية واستهداف الرموز الروحية للأقليات. وفجر الاثنين، أقدم مجهولون على إضرام النيران في مقام الشيخ ناصر الحكيم التابع للطائفة العلوية في قرية العريضة بريف حمص الغربي، مما تسبب في احتراق وتفحم أجزاء واسعة من الضريح ومحتوياته الداخلية.
ويحمل الشيخ ناصر الحكيم مكانة رمزية واجتماعية كبرى تعكس الهوية الروحية للمنطقة، وجاء الاعتداء عليه كجزء من سلسلة ممتدة من الانتهاكات التي طالت مزارات علوية أخرى خلال عامي 2025 و2026.
3. التسلسل الزمني لعنف المزارات: نمط ممنهج أم حوادث فردية؟
ترسم البيانات الموثقة لدى المنظمات الحقوقية، ومنها المرصد السوري لحقوق الإنسان ومؤسسة الذاكرة السورية، نمطاً متكرراً من الاعتداءات الممنهجة ضد الرموز العلوية، وسط صمت مطبق وغياب للمساءلة من قبل وزارة الداخلية في الحكومة الانتقالية:
| التاريخ | الموقع والمقام المستهدف | طبيعة الاعتداء | الجهة أو الأسلوب |
| مارس 2026 | مقام الشيخ محمد المغربي (قرية أصيلة – ريف مصياف) | تخريب واسع | مجهولون عبثوا بالضريح |
| 11 مارس 2026 | مقام ديني في محافظة اللاذقية | نبش القبر وتخريبه | فتح القبر والعبث بمحتوياته |
| 4 مايو 2025 | ضريح محمد بن حذيفة | نبش وتخريب علني | مجموعات تخريبية محليّة |
| مارس 2025 | مقام الشيخ ناصر أسعد | تفجير وهدم كامل | تبنته جماعة “سرايا أنصار السنة” |
| 9 يناير 2025 | مقام الشيخ محمد العجمي (قرية الفان الوسطاني) | تفجير بعبوة ناسفة | مسلحان على دراجة نارية (وثقوا العملية) |
4. التحليل الحقوقي: غياب الحوكمة والعدالة الانتقالية
يرى خبراء القانون الدولي والناشطون الحقوقيون أن جذور المشكلة الراهنة تتغذى على ثلاثة عوامل رئيسية خطيرة:
أولاً: أزمة القوانين العقارية وغياب الشفافية
تتحول القرارات الإدارية والتنظيمية في سوريا سريعاً إلى مصادر توتر اجتماعي حاد. تطبيق مخططات تنظيمية في مناطق متضررة من الحرب أو تابعة للأقليات دون حوار مباشر مع السكان يضرب “حق الملكية الخاصة” المكفول دستورياً ودولياً، ويحرم المواطنين من الملاذ الآمن.
ثانياً: فجوة المحاسبة وإفلات الجناة من العقاب
إن عدم إعلان وزارة الداخلية عن أي تحقيقات شفافة أو ملاحقة المتورطين في تفجير ونبش المقامات الدينية، يبعث برسائل طمأنة خفية للمجموعات المتطرفة بأنها قادرة على الإفلات من العقاب، ويحول هذه الانتهاكات من تصرفات فردية إلى نمط مستمر يستهدف المكون العلوي والشيعي في الساحل السوري وأرياف حمص وحماة.
ثالثاً: ترسبات أحداث 2024 وخطاب الكراهية
تأتي هذه الأحداث كارتدادات مباشرة للمجازر والتوترات التي شهدتها مناطق الساحل وجبل العرب (السويداء) أواخر عام 2024 على يد بعض الفصائل ومليشيات العشائر. تلت تلك الحقبة موجة صاعدة من خطاب الكراهية والتحريض الإعلامي والرقمي ضد الأقليات، باعتبارهم امتداداً للنظام البائد، مما جعلهم كبش فداء في مشهد “العدالة الانتقالية المشوهة”.
خاتمة وتوصيات: إنقاذ السلم الأهلي
يجمع خبراء الاجتماع السياسي في سوريا على أن حماية الأقليات وضمان حقوقهم في السكن والاعتقاد والملكية ليست ترفاً، بل هي الركيزة الأساسية لمنع انزلاق البلاد نحو حرب أهلية برداء طائفي جديد.
وتطالب الفعاليات الحقوقية السورية والدولية السلطات الانتقالية بـ:
-
الوقف الفوري بقرية المزرعة: تجميد كافة إجراءات الهدم والإخلاء القسري حتى مراجعة المسارات القانونية بشكل علني وشفاف.
-
وحدات حماية متخصصة: تأمين المزارات والمقدسات الدينية لكافة الطوائف السورية دون تمييز ومحاكمة المتورطين في إثارة الفتن الطائفية.
-
آلية تعويض عادلة: تبني حوار مجتمعي يوازن بين ضرورات التنظيم العمراني وإعادة الإعمار، وبين حماية الحقوق التاريخية للمواطنين في أرضهم ومنازلهم.
إقرأ أيضاً: ريف حمص: إحراق مقام الشيخ ناصر الحكيم يثير المخاوف من استهداف الأقليات في سوريا
إقرأ أيضاً: سوريا على قائمة الدول ذات الاهتمام الخاص.. ومخاوف من العنف الطائفي